"جوليا دومنا" آرامية حمصية سورية وأم الأباطرة الروما

د. اليان مسعد

جوليا دومنا (حوالي 170-217م): إمبراطورة روما من حمص.
يمكن اعتبار جوليا دومنا نموذجاً فريداً للمرأة السورية التي وصلت إلى أعلى مراتب النفوذ في الإمبراطورية الرومانية، حيث جمعت بين الحكمة السياسية والاهتمام بالفلسفة والأدب.
1. النشأة والأصول السورية (من حمص إلى عرش الإمبراطورية).
· المولد والنسب: وُلدت جوليا دومنا حوالي عام 170م في مدينة حمص (إميسا) السورية لعائلة ثرية ومتدينة. كان والدها (يوليوس باسيانوس) كاهناً كبيراً لمعبد إله الشمس "إيل الجبل"، مما منح العائلة مكانة دينية واجتماعية رفيعة.
· زواجها من الإمبراطور: تزوجت من القائد الروماني "سيبتيموس سيفيروس" عام 187م. تشير الروايات إلى أن سيفيروس سمع بامرأة سورية سيكون لها شأن عظيم، فتزوجها.
· الإمبراطورة: عندما أصبح سيفيروس إمبراطوراً عام 193م بعد حرب أهلية، أصبحت جوليا دومنا إمبراطورة لروما.
2. دورها السياسي والنفوذ
لم تكن جوليا دومنا مجرد زوجة إمبراطور، بل كانت شريكاً فعلياً في الحكم:
· مرافقة الإمبراطور: رافقته في حملاته العسكرية، مما دفع الجنود لمنحها لقب "أم المعسكرات".
· الحكمة والمشورة: كانت معروفة بحكمتها ودهائها السياسي، ويُعتقد أن سيفيروس كان يستشيرها في أمور الحكم.
· راعية للفكر والثقافة: أنشأت في روما حلقة فكرية وفلسفية كبرى تضم كبار المفكرين والفلاسفة، مثل الفيلسوف فيلوستراتوس، وشجعت الحركة الفكرية في عصرها.
3. فترة حكم أبنائها (كاراكالا وجيتا)
بعد وفاة زوجها سيفيروس عام 211م، انتقل الحكم إلى ابنيها كاراكالا وجيتا، ولكن سرعان ما تحول الأخوة إلى صراع دموي:
· مأساة اغتيال جيتا: حاولت جوليا دومنا التوسط بين ابنيها، لكن كاراكالا اغتال أخاه جيتا بين ذراعيها عام 211م.
· إدارة الإمبراطورية: تولت جوليا دومنا إدارة شؤون الإمبراطورية بشكل فعلي من مدينة أنطاكية، بينما كان ابنها كاراكالا مشغولاً بحملاته العسكرية. كانت تستلم العرائض وتدير المراسلات الرسمية.
4. النهاية المأساوية والإرث
· الانتحار: بعد اغتيال ابنها كاراكالا عام 217م، قررت جوليا دومنا إنهاء حياتها بالانتحار جوعاً في أنطاكية. يذكر المؤرخ كاسيوس ديو أنها كانت تعاني من سرطان الثدي، كما أن رغبتها في عدم العودة لحياة العادي دفعت لذلك.
· التأليه: تم تأليهها (اعتبارها إلهة) بعد وفاتها على يد الإمبراطور إيل الجبل، ونُقل رمادها إلى ضريح هادريان في روما.
5. أهميتها كشخصية نسائية سورية
تكمن أهمية جوليا دومنا في أنها المرأة السورية الوحيدة التي حكمت الإمبراطورية الرومانية فعلياً نيابة عن ابنها. كانت نموذجاً للمرأة القوية، المتعلمة، والتي استطاعت فرض نفوذها في مجتمع ذكوري بامتياز. كما أن أصولها الحمصية لم تكن عائقاً، بل كانت جزءاً من شخصيتها وهالتها "الشرقية" التي أضفت عليها تميزاً في روما.