القوزلة وذكريات الطفولة القروية السعيدة

د. جوليان بدور
مع حلول مساء يوم 13 كانون الثاني 2026 يبدأ عيد القوزلة. فماذا يعني هذا العيد وما هي طقوسه والى ماذا يرمز؟

القوزلة ليست عيداً عابراً، ولا طقساً موسمياً يُنسى بانتهاء ليلته. أنها عيد سوري عريق وقديم قدم الحضارة السورية، ويشمل كل القوميات والأعراق والطوائف السورية من مسلم ومسيحي. في الكنعانية كانت القوزلة تعني نهاية مرحلة وبداية أخرى، وفي الآرامية بشارة ولادة جديدة، أما في الآشورية فكانت فعلًا مقدسًا: إشعال النار، رمز الحياة والنور والتجدد.
ومنذ ذلك الزمن البعيد، اعتادت شعوب وقبائل المنطقة الاحتفال بليلة رأس السنة الميلادية وفق التقويم الشرقي بإشعال النار في ليلة ١٣-١٤ كانون الثاني ، وظل هذا الطقس حيًا في قرى الساحل السوري، يتناقل من جيل إلى جيل كوصية حبٍ لا تموت. وبحسب الدكتور "غسان القيم" تعود تسمية "القوزلة" إلى كلمة سريانية قديمة يُعتقد أن أصلها يعود إلى "كوكازال" أو "كُرْزالا" وتعني "رأس السنة". وكانت هذه التسمية تستخدم في العصور القديمة للإشارة إلى بداية دورة جديدة في الطبيعة بداية تكون فيها الأرض مستعدة لاستقبال الحياة من جديد، إذ كان أهل الساحل السوري يعتمدون على الزراعة بشكل أساسي، فقد شكلت القوزلة محطة أمل، واستعداداً نفسياً وروحياً لعام زراعي جديد.
أما أنا… فأعترف بأنني كنت من المحظوظين جداً. لأنني وُلدت وترعرعت في قرية ساحلية ما زالت تحتفظ بروح القوزلة كما ورثتها عن الأجداد، نقية ودافئة وصادقة. قبل حلول العيد، كنا نحن شباب القرية نجمع الحطب و”الحمو“، ونحمله إلى هضبة عالية تُدعى “البيدر”، تطل على القرية من جهة، وعلى قرى الساحل واللاذقية من جهة أخرى. لم يكن اختيار المكان عبثاً بل مقصوداً لكي يتمكن الآخرون من رؤيتنا ونتمكن من رؤيتهم، وكأننا نريد أن نرسل لهم رسالة نور تقول نحن هنا… نحتفل بالحياة وبالأمل الذي لا ينطفئ.
كنا ننتظر لحظة إشعال النار بقلوب تخفق شوقًا وحنينًا. لم تكن المفرقعات تعرف طريقها إلينا، ولم نكن نحتاج للألعاب النارية كي نعبر عن فرحنا وبهجتنا. كنا ننتظر غياب الشمس، وحين يحل الليل، نضرم النار بالحطب والحمو، فترتفع ألسنة اللهب نحو السماء، كأنها دعاء مشتعل. وفي اللحظة نفسها، كانت القرى المجاورة تشعل نيرانها، فتتلألأ جبال الساحل وسماؤه بأضواء بهية وجميلة، تشبه قلوب أهلها.
لكن الأجمل من كل ذلك، كان تجمع شباب وشابات القرية حول النار، لتبدأ الدبكات وتعلو الأغاني الفلكلورية، ويمتد الفرح النقي والهني حتى آخر الليل.
ثم يأتي الصباح… صباح القوزلة.
وهنا تبدأ الحكاية الأجمل، حكاية أمي المرحومة "أم وحيد".
كانت تستيقظ باكرًا، توقد النار في دفية الحطب داخل بيتنا الترابي، كي لا نشعر بالبرد. ثم توقظنا واحدًا واحدًا، تضمنا إلى صدرها، وتهمس بصوت مغموس بالحنان:
«فيقوا يا ولادي، اليوم عيد القوزلة… كل عام وأنتم بألف خير وصحة وعافية. الله يحميكم ويحمي أولاد كل الناس، ويفرحني فيكم يا رب».
كانت كلماتها وحدها كافية لتملأ قلوبنا فرحًا وبهجةً. ملامح وجهها، ابتسامتها، دفء صوتها… كلها كانت عيدًا. بعدها تصطحبنا لمعايدة والدي وجدي رحمهما الله لكي نعايدهم ونقبل أيديهما، فيغمراننا ببعض النقود الصغيرة، التي كانت تكفي لنشتري مربى وراحة وبسكويت من دكان القرية، هكذا كنّا نشعر باننا نملك الدنيا باكملها.
في عيد القوزلة، لم تكن الهدايا فاخرة ولا الألعاب غالية. ضعف المردود وكثرة عددنا وعزلة القرية وبُعدها عن المدينة، لم يكن يسمحا بذلك، لكن هذا لم ينقص شيئًا من فرحتنا وبهجتنا. على العكس، كانت قلوب أهلنا هي الهدية، وحنانهم وعطفهم هو العيد. كنا أغنياء بالحب، مشبعين بالعطاء، نلهو ونضحك دون أن نشعر بالعزلة والوحدة أو بنقصٍ أو حرمان.
لكن عيد القوزلة لم يكن يقتصر على الهدايا . للعيد كان طعم آخر… طعم لا يُنسى. بالحقيقة قبل القوزلة بأشهر، كان والدي يربي جديًا أو خروفًا خصيصًا لهذه المناسبة. وبعد أن يوزع نصيب الفقراء، كان اللحم يكفينا لعدة أيام.
إلى جانب الزلابية، والفطائر المحمرة والكعك، والكبيبات، والفويشات والبرغل مع لحمة وحمص….
كنا نتذوق اللحم مشويًا أو مطبوخًا كل يوم. ومن أغلى الذكريات على قلبي كانت تلك اللحظات التي كنا نجلس فيها أنا وأخوتي الستة حول دفية البيت المتقدة، بينما يشوي والدي أو والدتي اللحم على الجمر الأحمر، ويقدمونه لنا داخل قطعة خبز محمصة، وسط جو من المحبة والدفء والطمأنينة والحنان.
رائحة الشواء كانت تملأ البيت، وتغمر أرواحنا بالألفة والسعادة والسرور.
لكن القوزلة لم تكن ناراً وطعاماً فقط. القوزلة هي عيد التشاركية والتسامح والغفران قبل كل شيء. خلال أيام العيد كانوا الجيران يزورون بعضهم بعضًا، يتبادلون التهاني والعيديات، ويصافحون القلوب قبل الأيادي. كانت القوزلة الفرصة السنوية لطي الخلافات، لمسامحة الماضي، ولبدء صفحة جديدة بقلوب نقية وبيضاء، كما أرادها أجدادنا.
هكذا كانت القوزلة… بعيدة عن المظاهر الفاخرة، قريبة من القلب. عيدًا للفرح، للمحبة، للتسامح، ولمساعدة الفقراء… عيدًا يشبهنا، ويشبه أرواح القرى الطيبة.
قوزلة مباركة للجميع وكل عام وأنتم وبلدنا الغالي سوريةً بألف خير