الرقيّم الذي أنطق الطين وانطلق أبجدية أوغاريت بعيون ناسخٍ خبير
د. غسّان القيم
بين أكوام التراب التي تراكمت فوق ذاكرة أربعة آلاف عام، وبين شظايا الزمن التي ما تزال تلمع كوميض برق بعيد، خرج رقيّم فخاري صغير من حضن الأرض في مدينة أوغاريت. رقيّم لا يتجاوز حجم الكف لكنه يحمل من الأسرار ما يُدهش العالِم ويُسعد الباحث ويخطف قلب العاشقين بتاريخ هذه المدينة العظيمة..
كان الاكتشاف أشبه باستعادة نبضة من نبض تلك المدينة التي جعلت من الحرف رسالتها إلى العالم. فبين ثنايا الرقيّم ظهرت أبجدية أوغاريت محفورة بدقة مذهلة بخط ناسخ خبير يبدو كأنه يمسك بالقصبة للمرة الأولى في يوم وللمرة الألف في يوم آخر؛ تلك المهارة المتوازنة بين الصنعة والإلهام بين التعليم والطقس.
تخيل قاعة صغيرة من الطين المجفف سقفها من جذوع العرعرة تتسلل إليها خيوط ضوء الصباح من نافذة ضيقة.. في تلك القاعة يجلس التلاميذ حول مُدرّس صارم، لكنه حكيم، وفوق حجره رقيّم طيني طريّ لم يجفّ بعد ينقش عليه أبجدية أوغاريت.
لم يكن النقش عملاً سريعًا. كان الناسخ الأوغاريتي يضغط بطرف القصبة الخشبية برفق كأنه يرسم على الطين نفسَه.. كل حرف كان نبضة وكل علامة كانت خطوة نحو تدوين موسوعة حياة كاملة.
الرقيّم المكتشف لم يكن وثيقة ملكية ولا معاهدة دولية ولا رسالة للآلهة… بل كان تمرينًا للطلاب ورغم ذلك حمل جمالًا ومعرفة تليقان بأعظم نصوص الحضارة.
إن دقة الحفر على الرقيّم تشير إلى يدٍ متقنة عرفت قيمة الحرف قبل أن تعرف شكله. فالأوغاريتيون كانوا أول من صاغ أبجدية كاملة مؤلفة من ثلاثين حرفًا جعلت العالم قادرًا لاحقًا على أن يكتب ويقول ويغني.
والناسخ الخبير الذي أعدّ هذا الرقيّم كان يدرب التلاميذ على فن الكتابة لا على الكتابة فحسب على ضبط الزواياة توزيع العلامات ونحت الحرف كما تُنحت الحقيقة نفسها.
ربما لم يعرف ذلك الناسخ أن تمرينه البسيط سيصل إلينا بعد آلاف السنين، لكنه بالتأكيد كان يؤمن كما يفعل العشّاق أن الحرف هو أعظم سجل للروح..
اليوم عندما نمسك رقيماً أوغاريتيًا نشعر كأننا نمسك نبضة من طينٍ ما زال دافئًا نشعر بيد ناسخ ربما عاش قبل 3300 عام وهو ينقش علامة صغيرة لأنه يؤمن أن المعرفة تستحق أن تُسجَّل.
الرُّقُم هي الذاكرة التي لم تمحَ والحبر الذي لم يجفّ والرسالة التي وصلت من حضارة كانت تعرف أن الحرف هو أجمل ما يُترك للأبد.
هذا اللوح التعليمي يرينا أن أوغاريت لم تكن مدينة أساطير فقط بل مدينة مدارس وورشة لصوغ الفكر ومختبرًا للمعرفة.
وجود رقيّم تدريبي يعني أن الكتابة لم تكن حكرًا على الكهنة أو موظفي الإدارة، بل كانت علماً يُدرَّس لأبناء النخبة ولمن سيصبحون كتبة المستقبل.
وهذا يفسر كيف استطاعت أوغاريت أن تنتج كمًّا هائلًا من النصوص: مراسلات دبلوماسية أساطير عقود طقوس وأناشيد… وكلها كانت ثمرة هذا التعليم المبكر.
حين يلتقط الباحث هذا الرقيّم يشعر كأنه يلمس يد الناسخ القديم أو يسمع خشخشة القصبة وهي تنغرس في الطين الرطب. هو ليس مجرد قطعة أثرية إنه عودة الروح إلى الطين.. وصوت الماضي حين يقرر أن يتكلم وإن كان الكلام على هيئة أبجدية.
وبين سطور هذا الرقيّم تتجلى أوغاريت كعادتها:
مدينة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وتخبئ قصائدها في الطينة وتترك هداياها لأزمنة لم تولد بعد.
وهكذا… يظل الرقيّم رسالة صغيرة من مدينة عظيمة رسالة كتبتها يد ماهرة منذ آلاف السنين ويقرأها اليوم كل مهتم ومختص ليعيد للحرف وهجه وللطين قصته وللبحث التاريخي جماله..
*****
رسالة بعل إلى العالم: قراءة معاصرة في أقدم نداء للسلام إنطلق من أوغاريت.. حين يقرأ بعيون منفتحة على الحياة:
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
من بين آلاف الرُقم الفخارية التي كشفتها أوغاريت تبرز كلمات تحملُ دهشة العصور الأولى: دعوةٌ صريحة لإيقاف الحروب وإرساء لغة السلام وتنمية الحياة لا محوها. في أسطورة بعل وعناة يقف الإله بعل على قمّة جبل صفون مخاطبًا أخته محاربته الشرسة ليقول لها ما يُشبه اليوم خطابًا أمميًا عابرًا للزمن.
هذا النص الفخاري ليس مجرد أسطورة، بل وثيقة إنسانية مبكرة تُذكّر بأن حضارات الشرق القديم لم تكن حضارات حرب فقط، بل حضارات أرادت الحياة والخصب والغلال والعدالة وحق الشعوب في أن تعيش دون خوف.
في هذه الإسطورة يقف بعل في أعلى مقامه: جبل صفون الجبل الذي كان رمزًا للسيادة والسلطة والتوازن الكوني. وهناك ينادي:
"تعالي إليّ على قمة جبل صفون لدي كلمة سأقولها لك على جبلي المقدس."
هذه الكلمات أشبه بدعوة إلى العودة إلى الجوهر: أن تتوقف الآلهة رموز القوى عن جعل الأرض ساحةً للدم وأن يتحول جبل السلطة إلى جبلٍ للحكمة.
مضمون وجوهر هذه الأسطورة عندما يقول بعل لعناة:
أنا أرفض الحروب في الأرض!...
اجعلي في الأرض الكثير من المحبة
وازرعي السلام بين الحقول،
أعيدي عصاكِ وأسلحتكِ...
بهذه الدعوة يظهر لنا أن مدينة أوغاريت منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد – طرحت سؤالاً ما يزال العالم عاجزًا عن الإجابة عنه:
لماذا الحروب إذا كانت الأرض تتّسع للجميع؟..
كلمات بعل ليست وعظًا أسطوريًا بل مشروعًا مجتمعيًا يقوم على:
1. نبذ العنف بكل أشكاله
2. إحلال لغة الحوار بدل الصراع
3. تثبيت قيم الأخوّة البشرية بين الشعوب
4. إعطاء الأولوية للزراعة والخصب والإعمار
5. إعادة توجيه القوة نحو البناء لا الهدم
حين تُستبدل عصا الحرب ببذرة الحياة
عناة التي عُرفت في النصوص الأوغاريتية بحدّتها وقوتها وسطوتها تمثّل الجانب المقاتل في النفس الإنسانية. لكن الأسطورة تُظهر أنها ليست مجرد ربة حرب بل قادرة على التغيير على أن تتحول إلى حارسة للحياة.
وفي قبولها نداء أخيها بعل يتجلى درسٌ عميق:
"حتى أقوى النزاعات يمكن أن تتبدّل حين تُستدعى إلى معنى أعمق: معنى الوجود ذاته.."
إن قراءة هذه الأسطورة اليوم ليست عودة إلى الماضي فقط، بل استعادة لبذرة ثقافية تقول:
إن قيم العيش الكريم ليست مفهومًا حديثًا.
وإن التسامح والسلام لم يكونا غرباء عن عقل هذه الأرض المباركة منذ أقدم العصور، وإن الإنسان مهما تغيّر يحمل في داخله ذات القلق القديم: كيف يصنع أرضًا صالحة للحياة؟..
ماتُظهره هذه الأسطورة أن المجتمع الأوغاريتي لم يكن مجتمع حرب، بل كان مجتمعاً يملك نظاماً قانونياً متطوراً وعلاقات تجارية واسعة.
إضافة إلى تفاعل ثقافي مع الشعوب المجاورة..يؤمن بثقافة العيش المشترك والانفتاح على الآخر..
وإيمان عميق بالدورة الزراعية والخصب والنماء وعي بأن بقاء الإنسان مرهون بسلام الأرض لا بصراعاتها.
يمكن لرسالة بعل أن تصبح اليوم جزءًا من ثقافة تربوية وإنسانية جديدة تقوم على:
نشر ثقافة الأمل بدل ثقافة الخوف.
كما قال بعل لعناة في فحوى الأسطورة:
“ازرعي المحبة في الأرض”
فإن زرع الأمل اليوم يبدأ من التربية من الفن من الخطاب العام.
جعل السلام خيارًا ثقافيًا لا سياسيًا فحسب.
الحروب ليست قَدَرًا بل قرارًا.. كما لم تكن قدرًا في أوغاريت قبل أربعة آلاف عام.
أوغاريت هذه المدينة العظيمة قامت ونهضت وازدهرت بفضل تعاونها مع العالم لا انعزالها عنه.
فكل انتصار لا يُثمر خبزًا.. ولا يترك في الأرض ماءً هو هزيمة مهما بدا عظيمًا.
إن رسالة بعل لعناة ليست فقط أقدم نداء سلام مكتوب على الطين.. بل هي همسٌ من زمن بعيد يذكّر العالم الحديث بأن:
الحياة أكبر من الحرب
والمحبة أقوى من السيوف
والسلام هو الطريق الوحيد الذي يليق بالإنسان.
وما تزال الكلمات تتردد على جبل صفون اليوم كما كانت قبل آلاف السنين:
"تعالي إليّ إلى جبلي المقدس صفون..
لدي كلمة للسلام."
سرد تاريخي