ناسك القلعة "خالد الأسعد" يروي حكايات ربع قرن
الاستاذ خالد الأسعد، ناسك تدمر.. هو ابن هذا المزيج السوري الذي عبر تدمر وتمازج معها وفيها بدءاً من الأموريين والكنعانيين والآراميين والعرب... وهو ابن هذه الأعجوبة الحضارية التي تنبثق لك "فجأة" وبدون انذار.. أنها تدمر.. وأنه خالد الأسعد الذي مضى على عمله فيها حوالي ربع قرن دارساً، منقباً، حاضناً.. ولأجل هذا التقيناه عبر حوار "ميداني" بدأ عند أبواب متحف تدمر وانتهى عند البوابة أيضاً ولكن بعد تجوال ونقاشات.. وقهوة... وبرودة.. نتيجة انقطاع التيار الكهربائي..
وكما في البدء.. هو السؤال..
* استاذ خالد، تمثال أسد اللات هذا.. وهو يحضن الأيل.. ماذا يقول؟
- سأقرأ لك ما كتب عليه.. بالتدمرية.
*التدمرية؟
نعم وهي مشتقة عن الآرامية والكنعانية..
*ماذا يقول؟
- يقول: إن الربة اللات تبارك كل من لا يسفك الدم في المعبد..
لاحظ كيف أن الايل يحتضنه الأسد بحنان، دون أن يفترسه.. لقد قدم هذا العمل الفني غايته. ومعرف عما يريد قوله.
*هل ثمة تأثيرات غير سورية فيه من الناحية الفنية؟
- لا.. لا ذهنيته ولا فنيته وغايته الفنية والفكرية..
ورداً على استفسار حول الآلهة في تدمر نبو الرافدي وبل الكنعاني واللات التي عبدتها القبائل العربية، قال الاستاذ الأسعد:
- نحن هنا أمام مركز حضاري أثر وتأثر، أخذ وأعطى.. كما أنه ولموقعه في وسط البادية فقد كان نقطة ارتكاز وعبور للحضارات..
لكن أصالته بادية في فنه وكتاباته كما في الهلال الخصيب.
وانتقلنا إلى قطعة أثرية تقبع إلى يسار بوابة المتحف.. سرير جنائزي، يقتعد فوقه تمثال للميت مسلح بسيفه وثمة زخارف تملأ السرير وحوافه ومشاهد مهمة، تركنا للأستاذ خالد أن يقول:
- صار لهذا السرير هنا فقط شهران، كان يشكل جزءاً من سور المدينة والظاهر أنه وضع لتدعيم ذاك السور وتقويته وهو يختلف عن بقية الأسرة الجنائزية هنا لكونه يدل على شخصية محاربة ربما كان قبراً لقائد أو محارب بدليل السلاح وهذا اللباس.
كما أنه إلى الجانب ترى سيدات تدمريات يقدن قافلة وهذا ليس غريباً عن تدمر وحضارتها.. ويأتي سؤالنا.. استاذ خالد:
• ماعلاقة تدمر آنذاك بمحيطها؟!
- علاقاتها التجارية وحتى الفنية كانت متجهة للشرق أكثر من الغرب أقصد باتجاه الجناح الشرقي للهلال الخصيب. كما أنها تمددت نحو الأناضول وإلى الشرق وصلت لعاصمة الساسانيين طيسفون ووصلت إلى مصر أيضاً.
وفي مصر صكت عملة على وجهها صورة تبزباي – زنوبيا وابنها وهب اللات.
وكان لتدمر ميناء في مصر وميناء في الخليج العربي وعدة مواقع للاشراف على قوافلها وحركتها التجارية.
*استاذ خالد..
أليس من الأفضل اعادة ترميم آثار تدمر وجعلها مدينة مبعوثة من جديد؟
- هذا صحيح، ولكن الامكانيات قليلة.. وأيضاً الاهتمام ينصب الآن على المواقع الأثرية المهددة بالزوال والسرقات كما في آثار الخابور – منطقة الصخر – وأفاميا التي مازال 90% من آثارها مدفون تحت الأرض بينما هنا في تدمر فإن الآثار المدفونة تحت الأرض حوالي 60%.
ومضينا إلى داخل المتحف.. وبدأ تجوالنا في أرجائه..
أستاذ خالد، ماذا تعني لك بت زباي – زنوبيا؟
• تعني سيدة من تدمر.. هي انعكاس ومجتمع حضاري.
حين هددها أورليان الامبراطور الروماني ذات يوم قالت له: أيها الامبراطور: الأرجوان خير الأكفان..
وحين يتهكم شيوخ روما على ذاك الامبراطور لأن الحرب قد طالت مع "تلك المرأة" يقول أورليان: "ليتهم يعرفون أي امرأة أقاتل"..
زنوبيا تشكل ظاهرة حية في شعبنا.. هي وقفة العز.
• أستاذ خالد كأن ما نراه في هذه الخزانة البلورية هي نتف من أوراق البردي؟
- نعم، عثرنا عليها.. ولكن تعلم أن للحفاظ على مثل هذه الأوراق لا بد من شروط بيئية ملائمة.. هذه الأوراق الصغيرة مكتوب عليها بالتدمرية ومترجمة إلى اليونانية..
• وهاتان الجثتان؟
- هذا يدل على أنهم مارسوا التحنيط.. ولكنه ليس بإتقان كما في مصر.. لاحظ أن جثة لذكر والأخرى لأنثى..
لاحظ من الحوض والكتف..
*استاذ خالد.. رغم امتداد تدمر إلى مصر.. فهي لم تتأثر بالفن المصري – الجامد والستاتيكي.. أليس كذلك..
- طبعاً، انظر إلى هذه التماثيل التي تعبر عن قوة روحية كونها باتجاه أمامي دائماً.. والحركة تلاحظها أن في التكوين أو في حركة الأيدي واللباس.. أما الفن المصري فهو هكذا..
"قرفص الاستاذ الاسعد وأخفى رقبته ووضع يديه بين ركبتيه.."
بحركة لا شعورية وقال هكذا الفن المصري.
• استاذ خالد بعض التماثيل التي نشاهدها هنا كانت على أعمدة وسط المدينة ؟
نعم .. حيث أن المجتمع كان بقدر من يقدم شيئاً مبدعاً له فيضع تمثاله كتكريم له على عمود وسط المدينة..
*مانراه.. هو قوة الشعور بالانتماء للجماعة؟
- هذا ماتقوله الأدلة الأثرية.. انظر هنا إنها منحوتة لسفينة تدمرية.. وهذا يدل على وجود سفن لتدمر وحين تقولين لي أين..
أقول لك كان لهم ميناء على الخليج العربي اسمه ميسان وحتى الآن في العراق هناك محافظة ميسان. كانت البضائع تحمل وتنزل في سفن شراعية عبر دجلة والفرات إلى المصبات وأحد المصبات يقع في شمال الرصافة واسمه القديم سورية وحالياً اسمه منصورة.
• مامعنى ميسان بالتدمرية استاذ خالد؟
- لا أتذكر حالياً...
• هل كان لهم ميناء في مصر.. نعم لكنني نسيت اسمه أيضاً..
• وعلاقة تدمر بالديانة المسيحية..؟!
- تدمر كانت منفتحة يوماً، دقق في أسماء آلهتها ومعابدها..
نبو الرافدي، بل الكنعاني، ذو الثرى العربي، ميترا الفارسي.. الخ. هناك حالة غليان حضاري والصاهر هو تدمر لكل هذه التأثيرات.. بلاط بت زباي – زنوبيا
حوى الفلاسفة وأهمهم لونجين.. هذا الذي أسموه المكتبة المتنقلة.. كذلك هناك أسفف أنطاكية بولص السميساطي.. وفي دورا أوروبوس هناك أكبر كنيسة..
• استاذ خالد سألتك هذا السؤال لأستطيع أن أجد مبررات سقوط تدمر بيد الوحشية الرومانية..
- روما.. كانت منغلقة جداً.. كان كل من يشتبه بأنه مسيحي يحرق.. ألم يحرق الروم القائد جرجيوس السوري.. والذي أصبح قبره فيما بعد كنيسة بناها الغساسنة في الرصافة؟..
لقد قتله الرومان وأحرقوه.. فأسبغ عليه اسم القديس وهو مار جرجيوس أو الخضر، أيضاً وللدلالة على وحشية روما – فقائد الجيش الروماني الذي خرب تدمر أرسل برسالة إلى امبراطورة أورليان يقول فيها: "لقد قتلنا الأطفال والناس وهدمنا البيوت على رؤوس أصحابها حتى لم يبق فيها شيء".
*كما فعلوا بقرطاج؟
- تماماً.. هذه منحوتات لسيدات تدمريات.. لاحظ ثمة قلادات على صدورهن موشاة بماء الذهب. وهذه منحوتة مازال أحمر الشفاه على شفتي السيدة وكذلك الكحل..
*وهذه.. أستاذ خالد؟
- هذه القطع الصغيرة التي لا تتعدى السنتمترين هي بطاقة دعوة إلى مائدة الأرباب.. توجه إلى المدعوين..
*استاذ خالد: هل أقلع مسرح تدمر؟
- تنقصه أجهزة الاضاءة والملحقات الأخرى.. أرجو أن يتم إنجاز ذلك سريعاً.
ينقطع التيار الكهربائي.. يدعونا إلى مكتبه.. نمضي معه... ومع فنجان القهوة.. نحس بقشعريرة البرد والجوع.. نحييه ويودعنا.
د. بشار خليف- صحيفة الديار اللبنانية- 20/3/1991