من ذاكرة أوغاريت.. عندما يهمس الفخار بأسرارها

د. غسان القيم

"من ذاكرة أوغاريت... الفخار والحصان والتجارة".. عندما يهمس الفخار بأسرارها
****************************************
في قلب قصر أوغاريت الملكي، وبين أنقاض الحجارة التي ما زالت تهمس بأسرار حضارة غابرة، اكتُشفت قطعة فخارية، أثارت دهشة علماء الآثار والمؤرخين على حد سواء. لم تكن مجرّد آنية عادية بل كانت تحفة نادرة تنبض بالحياة تحكي فصولاً من قصة شعبٍ تفوّق في الحرفة والتجارة والفن.
كانت القطعة من الفخار المستورد، أو هكذا ظنّها الباحثون في البداية. إذ أن أسلوبها ينتمي إلى مدرسة ميسينيّة، وهي حضارة يونانية عريقة ازدهرت في بحر إيجه. ولكن المفاجأة الكبرى أن هذا الفخار لم يُستورد، بل صُنِعَ بأيدٍ أوغاريتية... نعم، في أوغاريت ذاتها، على يد حرفيين بارعين أتقنوا تقليد الفخار الأجنبي بدقة مذهلة، حتى كاد يختلط على الناظر الأصل بالتقليد. وحده الطين المحلي كان كاشف السرّ، إذ يختلف نوعاً عن صلصال بلاد الإغريق.
ورُسم على وجه الآنية مشهدٌ ينبض بالحيوية: حصانٌ شامخ يقف أمامه شخصان، وكأنها لحظة مقتطفة من مشهد احتفالي أو تجاري. لكن ما لفت الانتباه، ليس فقط براعة الرسم، بل رمزيته العميقة. الحصان في أوغاريت لم يكن مجرد دابة للركوب، بل كان رمزاً للثروة والمكانة الاجتماعية. اقتناؤه تَفاخر وتربيته استثمار، وتصديره تجارة عظيمة.
لقد كشفت الرقم الفخارية المترجمة، وهي الوثائق التجارية المدونة على ألواح الطين عن أن الحصان كان أحد أبرز صادرات أوغاريت إلى ممالك البحر الأبيض المتوسط. من مصر إلى قبرص ومن الحثيين إلى كريت كانت قوافل التجار الأوغاريتيين تنقل الخيول في صفقات مسجلة بدقة تروي كيف أن هذه الممالك كانت تتنافس للحصول على الجياد الأوغاريتية التي اشتهرت بصلابتها وأناقتها وسرعتها.
وهكذا لم تكن تلك الآنية مجرد تحفة فنية، بل شاهدٌ صامت على مجد حضارة امتدت تجارتها وآدابها وفنونها إلى أرجاء البحر حضارة لم تكتفِ باستيراد الجمال بل أتقنت إعادة إنتاجه بطابعها الخاص لترسّخ اسم أوغاريت كمنارة للحضارة والتبادل الثقافي والاقتصادي.
ومن بين ركام الزمن بقيت تلك القطعة تنطق... تحكي عن الحصان، والفخار والتجار وعن مدينة لم تمت، بل خلدها التاريخ باسم أوغاريت.
****** 
"جرن أوغاريت البازلتي.. حجرٌ صامت يخفي أسرار أربعة آلاف عام"..
****************************************
عندما تزور مدينة اوغاريت الأثرية وتتجول في منازل سكانها وشوارعها تقع عيناك على جرنٍ بازلتي ضخم يربض في صمت كأنّه حارسٌ لسرٍّ عظيم، مضى عليه أكثر من أربعة آلاف عام. يقف هذا الحجر الأسود الصلب شاهداً على حضارة ما زالت تُبهر العالم حتى اليوم. وما إن تقترب منه حتى تتزاحم في ذهنك التساؤلات: لماذا وضعه أهل أوغاريت هنا؟ ما الغاية من وجوده في هذا المكان بالتحديد؟
هل كان جرناً لحفظ النبيذ الذي اشتهرت المدينة بصناعته وتصديره إلى ممالك البحر المتوسط؟ أم كان مخزناً لـ زيت الزيتون، ذلك السائل الذهبي الذي شكّل عصب التجارة الأوغاريتية، وأحد أهم صادراتها؟ أم أنّه كان ببساطة مكاناً لحفظ الماء ليبقى متاحاً للعامة، خصوصاً أن بئراً للماء يقع على مقربة منه؟ بل قد يكون وعاءً عظيماً للزيوت العطرية التي كان المارة يتطيّبون بها، فيستعيدون نشاطهم وبهاءهم وسط أسواق المدينة الصاخبة.
كل هذه الاحتمالات واردة، وقد أعملت فيها البعثات الأثرية والعلماء والمفكرون والمهتمين خيالهم وقرائحهم، وكلّ أدلى برأي أو فرضية، لكن الحقيقة ما تزال متوارية في أعماق الحجر تحفظها ذاكرة أوغاريت وحدها. وربما هذا الغموض هو ما يمنح المكان سحراً لا ينقضي، ويدفع كل زائر لأن ينسج قصته الخاصة مع هذا الجرن البازلتي.
لقد كانت أوغاريت ــ تلك المدينة البحرية المزدهرة بوتقة لالتقاء الحضارات، وجسراً للتبادل بين الشرق والغرب. شوارعها وأسواقها وأحياؤها كانت تعج بالحياة والآن ما زال صدى تلك الحيوية يتردّد بين أطلالها.. حجارتها تهمس لكل من يزورها وكأنها تقول: "كن شاهداً على ما كنّا عليه، فهنا وُلدت أسطورة، وهنا خطّت البشرية إحدى أبهى صفحاتها".
أوغاريت ستبقى الذاكرة التي لا تمحى، الإرث الذي يزداد توهجاً مع مرور الزمن. وكلما وقفنا أمام أسرارها مثل هذا الجرن البازلتي، سندرك أن التاريخ ليس مجرد حكايات مضت، بل هو حوار مستمر بيننا وبين ماضٍ ما زال حيّاً في الحجارة والتراب والريح.