هيهات يا أم الزّلف أغنية من روح الأرض حين يُغنّي التراث وجع القلب وعبق الذاكرة
د. غسّان القيم
حين يعلو صوت الناي في مساءٍ ريفي هادئ وتتسلل نبراته بين السنابل والبيوت الطينية القديمة لا بد أن تُسمع من بعيد تلك العبارة التي حفظها الأجداد ورددها الأحفاد:
"هيهات يا أم الزّلف... عيني يا موليّا..."
عبارة لا تُقال عبثًا، بل تُغنّى وتُبتهل، وكأنها دعاء العاشق، وحنين الأرض، ونبض ذاكرة لا تنضب.
"أم الزّلف" هذه الأغنية التراثية الساحرة ما زالت تحيا في وجدان أهل الشام وخصوصًا في الريف السوري. أغنية من روح الأرض.. كأنها لا تنتمي إلى زمن بل تعبر فوق الأزمنة، تُحكى وتُغنّى في السهرات الحميمية، في مواسم الحصاد، وفي لحظات التأمل التي تعكس علاقة الإنسان بأرضه، بحبّه، بقدره.
وما يميز هذه الأغنية، أنها ليست مجرد لحن أو كلمات، بل هي مقطوعات شعرية مغنّاة كل مقطع منها يحكي قصة وكل قصة تنبض بالحياة بالعشق بالحكمة بالحزن وربما بالفرح المؤجل.
في كتابه الحديث "الجمال الموسيقي". الصادر حديثاً عن وزارة الثقافة السورية، يتناول المفكر والمؤرخ السوري الدكتور علي القيّم هذه الأغنية بروح الباحث والعاشق في آن معاً يقول:
"لا تغنّي 'أم الزّلف' إلّا من يحسن لفظ مقاطعها صوت لا يغنّيها إلّا من أتقن اللغة والحسّ بلغتها الجميلة ومعانيها العميقة، فهي ليست مجرد غناء، بل أداء يحتاج حنجرة قادرة على مدّ الصوت وإحساسًا يملأ كل نغمة بصدق الوجدان."
ويتابع الدكتور علي القيّم بأن الأغنية ما زالت نابضة في وجداننا وتراثنا حتى يومنا هذا، تحمل في كلماتها إشارات الحب والوجد، والشوق، والحكمة وحتى الحزن والفرح... وكأنها مرآة صافية لبساطة حياة الأجداد وأوجاعهم وآمالهم
"هيهات"... ليست مجرد كلمة.
في كتابها "البحر الثالث" الذي يُعدّ من أهم مصادر التوثيق للأغاني الريفية والساحلية في سوريا تفتح الباحثة التراثية فريال سليمة شويكي نافذة أخرى على معاني هذه الأغنية، وتشرح أن كلمة "هيهات" تعني البعد أو الاستحالة وتُستخدم للمذكر والمؤنث على حد سواء.
أما "زلف" فهي ليست مجرد اسم أو صفة. فهناك من يرى أن "زلف" هي الإلهة عشتار التي كانت تتزين للقيا حبيبها مثلما تتزين الأرض بأزهارها في الربيع. كان ثوب عشتار – كما تروي الأساطير – مرصعًا بكل رموز الخصب والوفرة وكانت تُدعى "أم الزّلف" بمعنى السيدة ذات الزينة صاحبة الثوب الموشى بالجمال والعطاء.
وفي القاموس السرياني تشير "زلفا" إلى المرأة الرفيعة الشأن الجميلة المتكبرة أحيانًا بينما تعني كلمة "موليّا" الخصب والوفرة.. وكان يُنظر إليها كرمز للأنوثة المقدسة أو الكاهنة التي صارت شجرة الصنوبر شجرة عشتار...
لا تُغنّى "أم الزّلف" على أنغام الطبل والمزمار الصاخبة، فهي ليست للرقص ولا للفرح الصاخب بل للهمس والبوح تُقال بنغمة الناي الحزينة حين يغنى الحنين حيث تمتد الألحان كما تمتد نظرات العاشق عبر البساتين أو كما يحدق الحنين في البعيد دون أمل باللقاء.
ويقال إن الناس كانوا يرددونها في عيد الربيع عيد السنة الجديدة حين تبدأ الأرض تزهر من جديد والسنابل تنتصب فَرحة، والينابيع تنفجر حياةً في الجبال.
ففي مقاطعها الأولى تقول:
هيهات يا أم الزّلف... عيني يا موليّا
تلتين عقلي شرد ... بهوى البنيّا
ما أحلى الومى بالومى ... وما أحلى الغروبيّا
بيني وبينك بحر ... مين يقطع الميّا؟
في كل بيت، قصة، وفي كل قصة مشاعر جياشة تُروى على لسان العاشق وتُنشد كما تُنشد الصلوات.
"هيهات يا أم الزّلف" ليست مجرد أغنية تراثية بل هي وثيقة روحية ذاكرة حية قصة عشق بين الإنسان والطبيعة، بين الحب والغياب بين الماضي والحاضر
هي ريفٌ يُغنّي وأرضٌ تحكي وحنجرةٌ لا تصدح إلّا إذا امتزجت بالحياة.
وستبقى هذه الأغنية، ما دامت هناك ذاكرة تحنّ وقلوب تُحب وأصوات تعرف كيف تنشد الحنين على أوتار الناي...