مدينة أوغاريت.. حين تنطق الطفولة المفقودة للغة العربية..
د. غسّان القيم
في أقصى الشمال من الساحل السوري، حيث تلامس الأرض البحر، وتتنفس الجغرافيا عبق البحر الأبيض المتوسط، تنهض أطلال مدينة أوغاريت لا كخرائب صامتة بل كذاكرة حيّة تنبض بالحروف واللغة. هذه المدينة التي ازدهرت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ونيف لم تخلّف فقط آثارًا معمارية وأساطير ميثولوجية بل قدّمت للإنسانية واحدة من أقدم الأبجديات المعروفة وألقت الضوء على لغة، بقيت حبيسة الطين إلى أن جاء من يُجيد قراءة أنين الماضي.
في أرشيف المدينة الطيني كُشفت آلاف الرقم الفخارية التي كُتبت بلغات متعددة، أبرزها اللغة الأوغاريتية، وهي لغة سامية شمالية غربية، انقرضت نحو عام 1200 ق. م. وعند ترجمة هذه النصوص، ظهرت عبارات أثارت فضول الباحثين واللغويين بل واستفزّت السؤال اللغوي العميق:
من أين أتت هذه الألفاظ؟ وكيف يمكن لها أن تُشبه لغتنا نحن، العرب اليوم؟...
بين تلك النصوص نقرأ:
"فلتحفظك الآلهة..."
"فلتنقذك!"
"فلتتحقق لك أغلى الأماني..."
"برضى الآلهة لأخي... لصديقي..."
إنها عبارات دعائية، وجدانية، تنضح بالحب والخوف والتمني، وتُشبه في تركيبها إلى حد التطابق أحيانًا ما نقوله اليوم بالعربية الفصحى والعامية وهذا التشابه لم يمرّ مرور الكرام على أعين الباحثين.
تُظهر الدراسات المقارنة أن اللغة الأوغاريتية تشترك مع العربية في عدد كبير من الجذور اللغوية، بل وحتى في البنية النحوية، والأساليب التعبيرية. الكلمات، أدوات الربط، الضمائر، وصيغ التمني والدعاء، كلها تكشف عن بنية لغوية قريبة إلى حد مذهل من العربية، وكأن الأوغاريتية ليست سوى إحدى لبنات الطفولة المبكرة للغتنا.
وقد ذهب عدد من اللغويين إلى القول بأن اللغة العربية وشقيقاتها الساميات كانت يومًا ما لغة واحدة أُطلق عليها افتراضًا "اللغة الأم". ثم تفرّعت هذه اللغة إلى فروع مختلفة، كل منها اتخذ لاحقًا شخصية مستقلة، لكن جذورها ظلّت متشابكة.
وإذا كانت تلك "اللغة الأم" مجرد افتراض، فإن الأوغاريتية تُعتبر، بالنسبة للعلماء، صورة نادرة لطفولة هذه اللغة الأم لأنها لم تتطور ولم تستمر ولم تخضع للتغيّرات الاجتماعية والسياسية والدينية التي خضعت لها اللغات الأخرى، بل توقفت عند لحظة معينة من الزمن... وبقيت.
هنا تكمن قيمة اللغة الأوغاريتية؛ فهي تقدم مرآة صافية يمكننا أن نلمح فيها ملامح اللغة العربية في مراحلها المبكرة، ملامح الطفولة اللغوية التي لم تكن واضحة قبل اكتشاف أوغاريت. فبينما تطورت العربية، وتوسّعت، واختلطت بقيت الأوغاريتية ثابتة وكأنها صورة مُجمّدة للغة السامية الأم، نُحتت في الطين وانتظرت آلاف السنين لتصل إلينا.
إنه أمر نادر في علم اللغات: أن تجد لغة انقرضت، ولكنها احتفظت بكامل هيئتها لتعكس وجوه أخواتها الحيّات.
لكن أوغاريت ليست مجرد مدينة لغوية. إنها مركز حضاري عظيم عبق التاريخ السوري وملتقى التجارة والفكر والدين وموطنًا لواحدة من أقدم الأبجديات التي عرفها الإنسان وحين نقرأ في نصوصها القديمة هذا الوجد الإنساني وهذه الصياغات الشبيهة بلغتنا، نشعر بأننا لا نقرأ لغة غريبة بل نستمع إلى صوتٍ عربي قديم طفلٍ يتعلم النطق الأول.
في أوغاريت لا ترى التاريخ فقط، بل تسمعه. تلمسه في طينٍ كُتب عليه "فلتنقذك الآلهة" فترد عليه من قلبك: "آمين يا صديقي القديم".
أوغاريت، بطينها وأبجديتها، لم تكتفِ بأن تكون شاهدًا على حضارة عظيمة فحسب، بل أهدتنا مفتاحًا لفهم جذور لغتنا، ونافذة نطلّ منها على لحظة نادرة في التاريخ اللغوي الإنساني. إنها ليست مجرد مدينة من الماضي، بل مرآة لطفولتنا الحضارية... وذاكرتنا التي لا تزال تنبض.
الهوامش والمراجع
*****************
دراسات في فقه اللغة المقارن – الدكتور إبراهيم السامرائي
اللغة الأوغاريتية: دراسات نحوية وصرفية – د. يوسف عبد الأحد
الحضارة الأوغاريتية – المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية
مقالات مجلة "لغتنا" – الهيئة العامة للغة العربية