"الدلعونا".. رسائل على أجنحة الطيور

د. غسّان القيّم

 أغنية "الدلعونا" بوصفها إرثًا من قلب ريف ساحلنا السوري الجميل، بعراقتها وعمقها في الوجدان الشعبي:
**************************************
في ريف ساحلنا السوري الجميل حيث تنحدر الجبال لتعانق البحر، وتتراقص سنابل القمح الذهبية على همسات النسيم، وتمايل أغصان الزيتون ولدت هذه الأغنية التي ما زالت حتى يومنا هذا تنبض بالحياة والحيوية إنها "الدلعونا".
ليست "الدلعونا" مجرد نغمة عابرة، أو كلمات تناثرت في سماء القرى، بل هي ديوان الريف، وسِفرُ الذاكرة، ورسائل العاشقين الطيبين الذين لم يعرفوا للخذلان طريقًا. إنها الأغنية التي نمت مع الأرض، وترعرعت مع القمح والزيتون، وانسكبت كالمطر على الوجوه السمر، تُجبر المكسور وتداوي المجروح.
"على الدلعونا على الدلعونا..
السمر بيجرحوا البيض بيداونا.."
بهذه الكلمات، تبدأ بنا الحكاية
التي تغنّى بها الفلاحون وهم يبنون البيوت بالحجر والطين، في أيام العمل الجماعي، حين كانت الجيرة تسند الجيرة، والكتف يحمي الكتف. تُحمل الحجارة على الإيقاع، وتُرفع الجدران على وزن وإيقاع الزّمر والطبل، فيما تصدح الحناجر بأغنية "الدلعونا"، لا لتزيّن العمل فحسب، بل لتجعله طقسًا من طقوس المحبة.
كانت الأغنية تخرج من القلب لتستقر في القلب، تُقال بعفوية، ويُرتجل معظمها بشكل حواري شعبي حيّ، بين شابٍ يعاتب، وفتاةٍ ترد، بين عاشقٍ يشكو الهجر، ومعشوقةٍ تتغنّى بالوفاء.
"على الدلعونا على الدلعونا..
ما راح ننساكم يا اللي نسيتونا.."
كلماتها بسيطة، لكنها مشحونة بصدق العاطفة، تحمل الحب، والعتب، والشوق، وحتى الحكمة الشعبية. وهي قابلة للتشكيل والتلوين، كأنها طين القرى؛ تُصاغ حسب المناسبة، وتُغنّى في الأعراس، وفي الحصاد، وحتى في السهرات القروية تحت ضوء القمر ودفء المواقد.
في زمنٍ كان الطبل والزمر سيدَا الساحة، لا مكبرات صوت ولا أضواء اصطناعية، كانت "الدلعونا" تسري في العروق، تشعل الأقدام بالرقص، وتلهب الأرواح فرحًا وحنينًا. إيقاعها البسيط السهل، ساعد الجميع على الانسجام معها، فـ الراقص يطير بها خفةً، والعازف يتقن لحنها حتى لو لم يكن موسيقيًا محترفًا.
لكنّ أجمل ما في "الدلعونا" أنها لم تكن مجرد فن، بل كانت وسيلة تواصل في زمن الطيور. حين لم يكن هناك هاتف ولا بريد إلكتروني، كانت كلماتها "رسائل على أجنحة الطيور"، تطير من جبلٍ إلى آخر، ومن قرية إلى جارتها، تنقل الحب والعتب والأخبار، وتجمع الناس على ساحة واحدة.
يقولون إنّها نشيد الألفة والحنين، وإنها لا تزال تُغنّى في القرى، لأن فيها ما لا يمكن أن يُنسى: فيها صورة الجدّة التي تُصفّق على الإيقاع، وصوت الأم التي ترقص بفستانها القروي، وضحكة الشاب الذي يغازل من يحب بنغمة لا تجرح.
"على الدلعونا على الدلعونا..
لا تشدّوا حبال الهوى بترمونا.."
في هذا البيت وحده، يكمن وجع العاشق ونبضه، يُحذّر ويعتب، لكنه لا يقسو. فالدلعونا ليست للخصام، بل للوصال، وهي إن كانت تشكو، فإنها تشكو بمحبة.
وما زالت هذه الأغنية التراثية الساحلية المتجذرة في الأصالة تغنى حتى اليوم، في حفلات الزفاف الساحلية، وتُدندن على شفاه كبار السنّ كأنها دعاءٌ قديم. تُورث كما تُورث الأرض، وكما تُروى الحكايات على فُرش التبغ والسهرات الشتوية.
إن "الدلعونا" ليست مجرد أغنية..
إنها حكاية الريف الساحلي السوري، حكاية ناسه الطيبين، وعشّاقه الصادقين، وفنّه المتجذّر الذي لا يموت، لأنه مغروسٌ في الأرض.. كأشجار التين والزيتون والزعتر البري..