"عين اللبن" مصيف ملوك أوغاريت
د. غسان القيم
قرية "عين اللبن" التي ذكرتها نصوص اوغاريت باسمها الذي لم تغيره كثيراً السنوات الغابرة "لبنا"، كقرية تابعة لسلطتها وكانت مصيف لملوك وأمراء أوغاريت لما كانت ومازالت تتمتع به هذه القرية من إطلالة رائعة وطبيعة خلابة ساحرة.. فينابيعها لا تجف مياهها.. والأهم ناسها الطبيين..
تعالوا نعود إلى الوراء ثلاثة آلاف وخمسمائة عام في مشهد تخيلي وأنتم تعيشون في ذلك الزمن ننسج معًا لوحة أدبية تصف كيف كانت قرية "عين اللبن"، كما وردت في نصوص أوغاريت، وجهةً مفضّلة للنخبة من ملوك وأمراء وتجار تلك المدينة العظيمة…
وصف مشحون بالحس الجمالي، يُظهر كيف كانت تلك الشخصيات تبحث عن الصفاء في حضن الطبيعة.
عين اللبن… كانت مصيف الأرواح النبيلة
حين تفيض حرارة الصيف على حجارة مملكة أوغاريت، وتغدو جدران القصور دافئة أكثر مما ينبغي، تتّجه العيون نحو الشمال، إلى تلك البقعة الهادئة التي تتنزّه فوق الجبال كأنها جملة من الشعر، تُدعى عين اللبن.
ليست مجرد قرية، بل هي أنشودة ماءٍ وهواءٍ وضوء، تستقبل الوافدين من العاصمة بمروجها الخضراء، وظلال أشجارها التي تحنو على الأرض كما تحنو الأمهات على أطفالهن. هناك، كانت الشخصيات الكبيرة — الملوك، الكهنة، النبلاء، وحتى التجار العظماء أمثال أورتينو — يتخففون من ثقل السياسة، ويغسلون عن أرواحهم غبار المرافئ والأسواق.
كان الطريق إليها صعودًا لذيذًا، يمرّ عبر دروب محفوفة بالخزامى البري وزهور السوسن، تتراقص على وقع سنابك الخيل. وعلى مشارفها، ينكشف المشهد كلوحةٍ خُطّت بأنامل الآلهة: عيون ماء تتفجر من بين الصخور، تصبّ في جداول صافية تنعكس فيها وجوه الراحلين والعائدين.
وفي إحدى الصباحات التي تخلّدها ذاكرة الحجر، شوهد الملك بنفسه، يرتدي عباءة كتان خفيفة، يسير حافي القدمين على العشب النديّ، يضع إصبعه في الماء الجاري، ويهمس:
"هنا، لا حاجة للحراس… تكفيني السماء والشجر."
كانت القصور الصغيرة المبنية من الحجر الأبيض تُزيَّن بسعف النخل والزيتون، لا ذهب فيها ولا عاج، فقط نقاء. تُقدَّم فيها ثمار التين والتفاح والعنب، لا في أوانٍ مرصعة، بل في سلال من القصب المجدول، تفوح منها رائحة الريف وصدق الأرض.
وهناك، في ظلّ شجرة جوز عملاقة، كان أورتينو يجلس يدوّن أفكاره، بينما أحد الكهنة يعزف على آلة قيثارة صغيرة لحنًا خافتًا، لا يُقصد به الترفيه، بل الاستشفاء.
"في أوغاريت نربح… في عين اللبن ننسى أننا نخسر أحيانًا."
— هكذا كتب في أحد ألواحه التي وُجدت في بيته لاحقًا.
وكان يُقال إن الملوك، قبل اتخاذ قرارات كبيرة — كالتحالف أو الحرب كانوا يمضون ثلاثة أيام في قرية عين اللبن، لا يسمعون فيها إلا زقزقة الطير، وخفقان قلوبهم.
في الليل، تُضاء المصابيح بالزيت النقي، وتنساب رائحة الزعتر البري والشمرة والميرمية من الأبواب المفتوحة، فيما تتعانق نجوم السماء مع قمم الجبال، شاهدةً على طقوس صامتة تُقام بلا مذابح… فقط الطبيعة كافية لتذكير الإنسان بأنه مجرد زائرٍ مؤقت على هذه الأرض..
تعالوا نغوص في مشهد تخيلي آخر يمزج بين الطبيعة الساحرة، والتأمل الإنساني، يحمل بعدًا رمزيًا عن الحياة الهاربة من ثقل العرش وهموم التجارة والسياسة بعيدا عن السلطة..
كان الغروب قد بدأ ينسكب بلونه العنبري على سفوح قرية "عين اللبن" الوادعة حين وصل الملك نيقاروم، ملك أوغاريت، ممتطيًا جواده الأسود، ترافقه حاشية صغيرة صامتة. لم يكن قد نطق بكلمة منذ مغادرته القصر، سوى أمرٍ واحد:
"أمهلوني ثلاث ليالٍ… لا أكثر."
لم يكن أحد يعرف سرّ زيارته المفاجئة إلى هذا المصيف الجبلي الهادئ، ولا سبب انسحابه من مجلس الحكم في أوغاريت، وهو في أوج سلطته. كل ما قيل إنه كان يُعاني من "أحلامٍ تقضي مضجعه لا تهدأ، وصمتٍ لا يُحتمل."
في المساء، سار نيقاروم وحده إلى نبع اللبن، العين التي سُمّيت القرية باسمها. جلس على صخرة ملساء، خلع تاجه ووضعه على العشب، ثم غمس كفيه في الماء البارد. أغلق عينيه وسمع صوت الماء يهمس له كما لو كان يوقظه من غيبوبة:
"هل أنت من يملك كل شيء… أم من يخاف أن يفقده؟"
فتح عينيه فجأة. لم يكن هناك أحد. فقط الماء، يجري كعادته، لا يسأل ولا ينتظر إجابة.
في السهرة، جلس الملك مع أورتينو التاجر العظيم، الذي صادف وجوده هناك. لم يتحدثا عن الذهب، ولا عن النحاس، ولا عن السفن. بل عن الحلم الغريب الذي يتكرر على الملك:
"أحلم أني رجل عادي، أعيش في كوخ، أزرع التين، وأنتظر الشتاء دون قلق. أستيقظ مفزوعًا… لا من الفقر، بل من الراحة. وكأن قلبي لا يعرف كيف يعيش دون معركة."
أورتينو أطرق رأسه، ثم قال:
"سيدي، من لا يخشى الراحة، لا يعرف قيمتها. أما نحن، فنحيا على الحافة. تاجك يحميك من الخوف… لكنه لا يمنعك من الحلم."
صمت الملك طويلاً. ثم قال:
"في هذا المكان… أشعر أنني إنسان، لا ملك."..
في الليلة الأخيرة، صعد الملك إلى التلة العالية فوق القرية، حيث الأشجار تُصفّق للريح كأنها تستقبل إلهًا قديمًا. هناك، وقف وحده، ورفع وجهه نحو السماء.
لم يطلب شيئًا. لم يسأل. فقط استمع.
استمع للريح التي مرّت بين فروع الزيتون، وقالت له:
"أنت لست التاج… ولست التين أيضًا. أنت ما بينهما. ظلٌّ يسير… ثم يختفي."
حين بزغ الفجر، عاد الملك إلى قصره في أوغاريت. لم يخبر أحدًا بما حدث في تلك الليالي الثلاث. لكنه، منذ ذلك اليوم، لم يعد يرفع صوته على أحد، ولم يعد يتحدث عن النصر أو المجد… بل عن "الماء، والنار، والريح."
وقيل إنه أوصى أن يُدفن، لا في مقبرة الملوك، بل تحت شجرة جوز في "عين اللبن"، على أن لا يُكتب على قبره إلا كلمة واحدة:
"زائر"