النَّجاحُ في حَفرِ قَبْرِ الشّيخ علي عبدالرَّحمن

زين العابدين رمضان

دَأَبَ الشَّيخ عبدالرّحمن١ "أبو علي" سنةً كاملةً وَهُوَ في جِدٍّ، وَاجتهادٍ لِلحُصُولِ مِنَ المَعنيّينَ السُّوريّينَ على إذنٍ منهم لِكَيْ يَسْمَحوا له بِنَقْلِ رُفــــــــاتِ والدهِ إلى قرية الحيصا، فكانتْ أيّامُ هذهِ السَّنةِ مليئةً بالسَّفرِ إلـــــــــــى دِمَشقَ، وَاللَّاذقيّة، وَطرطوس بشكلٍ مُتَواصلٍ، وَقــــــد أخذَ التَّعبُ الجَسَدِيُّ، وَالنَّفْسِيُّ منهُ مأخذاً كبيراً، وَقــــد صارَحَهُ أحَدُ أصدقائهِ المُحِبّينَ:
"بأنَّ ثَرَى طرطوسَ حيثُ قَبْرُ وَالدهِ تُشبِهُ أرضَ قريَتهِ فلماذا كلّ هذا التَّعَب"، وَيَنْصَحُهُ بإبقاءِ رُفاتِ وَالدهِ في مكانِها، وَلكنَّ في نَفْسِهِ خواطِرَ رَحمانِيّةٍ لا تَستكيـــــنُ، وَتَشُدُّ مِنْ عزيمَتهِ، وَتُقَوّي إرادَتَهُ على نَقْلِ الرُّفاتِ، وَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَنْهارُ، وَيتسلّلُ اليَأْسُ إلى نفسهِ، فيُناجيهِ لِسانُ الحالِ بالثباتِ على النيّةِ الأولى، وَشَدِّ العزيمةِ، وكأنـَّـــــ هناكَ حِكْمَةً إلهِيَّةً مِنْ وَراءِ نَقْلِ الجُثمانِ الطَّــــــاهِرِ إلى عَكّارَ.
وَكانَ الشاهِدُ على جَهْدِهِ فضيلة الشَّيخ مُحَمَّد الغانِم؛ لأنَّهُ جَعَلَ مِنْ منزلهِ مَأْوَىً لهُ في حِلّهِ، وَتَرحـــــالهِ مِنْ، وَإلى قرية الحيصا في سهل عكّار/ لبنان.
وَلَمْ يُكتَبْ لَهُ النَّجاحُ إلّا في (3 تشرين الثاني سنـــــــة 1977م)، وَذلكَ بَعدَ حُصولِهِم على الإذْنِ، وَجَلْبِ كلّ ما يلزمُهم مِنْ أدواتِ الحَفْرِ.
وَقْتَها شَمَّرَ خَمسةُ رِجالٍ عَنْ سَواعِدِهِم؛ لأجـــــلِ البَدءِ بِحَفرِ القَبْرِ، وَهُمْ: محمد ديب منصور، وَمحمود الرَّشيد، وَعبدالكريم حسيـــــــن العيسى، وَمحمود سلمان معلّى، وَعلي معلّى.
كانَ القَمَرُ حينها يُنيرُ عَتْمَةَ المَقبرةِ، وَكانَ باستطاعةِ كُلُّ مَنْ حَضَرَ عمليّةَ الحَفرِ أنْ يَرى بَحرَ طرطــــــوسَ بسُهولةٍ، وكأنَّ الوقَتَ نهارٌ، وعندما وَصَلَتْ ضربــَــــاتُ المَعاولِ المُسَنَّنَةِ إلى حَوافي العوازلِ الحديديّةِ عَمَلَتْ القَبْضاتُ القويّةُ على إمساكِ الرُّفوشِ لإفراغِ القبرِ مِنَ التُّرابِ المُتهالِكِ حتّى بانَــــــتِ العوازلُ بشكلٍ جَـــلِيٍّ، وَعندما حاول "عبد الكريم العيسى" نَزْعَ صَفيحةٍ مِنَ الصَّفائحِ الحديديّة التي كانت "موضوعةً بإحكامٍ فوقَ التابوتِ الخشَبيّ" بواسطةِ إزميلٍ كان يَستعينُ بهِ؛ إذْ تَسلّلتْ رائِحةٌ زَكيّةٌ إلى أنْفِهِ، فَرَفَعَ رَأسَــــــــهُ المُشرَّب بِحُمْرَةِ الدَّمِ القانيّ، والعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ وَجْههِ الوَضِيءِ، والدُّموعُ تَرشَحُ مِنْ مآقي عَيْنَيْهِ، وَأجْهَشَ بالبُـــــــــكاءِ، ليَسألَهُ أحَدُ المشايخِ الذينَ كانوا يُراقبونَ عمليّةَ الحَفرِ بِبَصَرٍ حَديدٍ: "لماذا تبكي يا عبدَ الكريم".
لِيُجِيبَهُ أنَّ رائحةً طيِّبةً قد فاحَتْ مِنَ القَبر.
بعدَها تسارَعتْ وتيرةُ نَزْعِ العَوازلِ حتّـــى كشَفوا عَنْ كامِلِ التَّابوت، وَعِندما حاولَ "عبدالكريم العيسى" نَزْعَ التابوتِ مِنْ مكانهِ تناثرَ كالرّمادِ، وَلَمْ يَبْقَ في قَبضَتَيْهِ سِوَى جُثمان الشيخ علي، فَصَدَحَتْ حناجِرُ الحاضرينَ بالتّكبيراتِ وَالصَّلواتِ على النَّبِيِّ وَآلِهِ.
حينها كان الشيخ عبدالكريم٢ يَحمِلُ كيساً يُجَهِّزُهُ لِيضَعَ بقايا رُفاتِ والدهِ فيهِ، فَقَدْ أصابَهُ الذهولُ، وَأَخَذَ مِنْهُ قسْطاً وافِراً، وَاعْتَرَتْهُ صَدْمَةٌ اسْتَحالَتْ بُكاءً، وَفرحاً في آنٍ واحِدٍ.
-------------------------------------
١ هو الابنُ البكر لوليِّ اللَّهِ؛ الشيخ علي عبد الرحمن (ق).
٢ الابنُ الثاني للشيخ علي عبد الرحمن (ق).