حي القصّاع الدمشقي

عماد الأرمشي

القصّاع، هي سكني ظهر في نهايات القرن التاسع عشر وجاءت تسميته نسبة إلى القصّاعين الذين كانوا في المنطقة، وهم من يعملون بالقصّاع (مفردها القصعة وهي وعاء عميق وواسع من الفخار أو النحاس). وكان في موضع القصّاع قديماً قرية آرامية عُرفت باسم “بيت لهيا” أصبحت مع مرور الزمن بساتين واسعة باسم بساتين الزينيّة.
إذاً، جاءت تسمية حي القصاع بهذا الاسم من (صناعة القصاع الفخارية ـ جمع قصعة) وهي الصحن الفخاري الواسع والعميق.
وهي عبارة عن أوعية فخارية متقنة الصنعة وبمختلف الأحجام والأشكال، وكانت تستخدم في تناول الأطعمة و تحضير الوجبات الغذائية والإستخدامات الأخرى، حين اشتهرت هذه المحلة قديما بصناعة (القصاع الفخارية) لتغلغل الأنهار فيها، والبنية الطينية الجغرافية للمنطقة، فأهلتها لتتصدر هذه (الصنعة) مكانتها بالمنطقة، وتوزيعها على معظم أرجاء دمشق، مثلها مثل محلة الفواخير بصالحية دمشق.
و لهذا، فقد شاعت هذه التسمية (عُرفاً) ورافقت هذه الصنعة إسماً.. وأضحت بالتواتر الشفهي تدعى محلة القصاع، ولا زال هذا الاسم ملازماً للمحلة حتى وقتنا الحاضر.
ـ نهر ثورا: أحد فروع نهر بردى، ينفصل عنه في منطقة الشادروان الغربي، من رابع مقسم، قبالة قصر خالد العظم، ويتّجه شرقا على سفح قاسيون فيسقي أحياء الصالحيّة وبساتينها وسوق صاروجا والعقيبة والعمارة ومسجد الأقصاب والزينبية والقصّاع، ثم يدخل الغوطة، فيسقي قرى كثيرة وينتهي في عذراء (عدرا).

وخلافا لما توهّمه المؤرّخون فإن اسمه (ثورا) من السريانية ويعني (شباك صيد السمك). وكانت تسميته القديمة (نهر سقط).

نشأ حي القصاع على أعتاب البساتين الغناء المتاخمة لأسوار مدينة دمشق القديمة، ومن أهم هذه البساتين من الناحية الشمالية:
ـ بستان كشكول عند المستشفى الإنكليزي وشماله (مقبرة الشيخ رسلان)/ ـ بستان السيوفي والطريق المؤدي الى حرستا ودوما وعربين وسقبا عند درب المفارق / ـ بستان المسالخي عند زقاق الجن. / ـ بستان الجورة/
ـ جناين الورد الى الغرب من بساتين آل الأسطواني (المستشفى الأفرنسي) حاليا. / ـ بستان اللبن/ ـ بستان عين الشرش والمتاخم لحي جوبر الدمشقي وبه عين الشرش (عين باردة رقراقة.. ذات عذوبة لذة للشاربين/ و يليها ـ بستان الصليب، وجناين الجزما والأعاطلة وجنينة المعصرة وجنينة النمساوي.
ويخترق هذه البساتين الأنهار الدمشقية (فروع من نهر بردى): ـ من ناحية الشمال: نهر الداعياني (فرع من فروع نهر بردى) عند ساحة وحدائق الصفوانية ـ كما يخترقها (نهر بردى) ويدعوه أهل المحلة (بلقيط بردى) لأنه يلتقط القاذورات من تلك البساتين.ـ كما يخترقها نهر العقرباني جنوب بستان العش. علاوة عن أصبع (أي فرع) من نهر ثورا، فيسقى محلة الأقصاب والزينبية والقصّاع، ثم يدخل الغوطة، فيسقي قرى كثيرة وينتهي في عذراء (عدرا). وكذلك بساتين طريق الشيخ صالح الظاهر، والمؤدية الى بساتين الغوطة الشرقية وضيعها (كفربطنا والمليحة والنشابية).

والطريق المؤدي الى بساتين جرمانا وببيلا ويلدا/ ـ بستان العجم وبساتن ساحة الخضر/ ـ بستان الزوري كان في موضع مقبرة باب كيسان، قبالة الباب من خارجه. وبساتين المادنة وبستان الخامس وبستان البزوري وبستان الحلاق.. الخ... ومنطقة المقابر اليهودية والمسيحية وتدعى قديما (الطبالة) والطبالة كلمة الطبالة عبرية تعني المقبرة، وكانت تضم مقبرة القرائين لليهود، ومقبرة الربانيين والسامرة، وكذلك مقبرة الرودم الأردثوكس، ومقبرة الروم الكاثوليك والمقبرة المارونية، ومقبرة الأرمن والسريان والكلدان واليعاقية واللاتين.

من المشاهد المهمة في محلة القصاع مقابل باب شرقي هي جنينة النمساوي، فقد ورد ذكرها في كتاب "الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية" تأليف (محمد عز الدين عربي كاتبي الصيادي) في عام 1910 في سياق حديثة عن محاسن الشام وجناين الشام، فقال: ان ترتيب الجنائن هي على أبدع ما يكون، وقد اتخذتها النصارى منتزهاً لهم، لقربها من محلتهم، وأما منتزه باب شرقي (أي جنينة النمساوي لاحقاً) فالمحل المذكور كان ـ تل تراب ـ هُدم قديماً؛ يدل على أنه كان في محلة معامل نارية مثل معامل الفخار والقيشاني، كما شوهد آثار ذلك أثناء حفر التل المذكور.
وفي سنة ثلاثمائة وألف ترخص أحد أطباء المشفى العسكري (وردي شان بك المسيحي) وسوى تلك التل العظيم حتى مهده وجعله بستاناً، وغرس فيه أنواع اشجار الفاكهة الدمشقية والغربية، ثم أنشأ به داراً لسكنه، فأضحى المحل المذكور على غاية من الحسن والإنس بعد وحشته وصار حوله منتزهاً للنصارى أيضاُ لقربه من محلتهم داخل باب شرقي المدينة.