منسف المليحي الحوراني

بدر أحمد

 دُعيتُ، وكانَ لابدَّ من ذلك، وأنا أحلُّ مدرِّساً، وضيفاً، على ريف درعا عام 2001 إلى تناولِ " المليحي" الأكلةِ الشّعبيةِ الشّهيرةِ هناك...
كنتُ قد سمعتُ الكثيرَ عنها قبلَ ذلك والجميعُ يتحدَّثُ عنها بتلمُّظٍ! تملّكني تَوقٌ كبيرٌ وجارفٌ لتذوّقِ المليحي، لكنَّ تَوقي كانَ يصاحبُهُ تَوجُّسٌ وقلقٌ من طريقةِ تناولها:
عليكَ أن تأكلَ بيدك! أعني أن تغرفَ بيدكَ دونَ ملعقةٍ أو شوكةٍ أو حتّى عيدانٍ صينيّة.. وأن تطلبَ ملعقةً يعني أن تتعرّضَ لسخريةِ الجميعِ واستغرابهم أو استهجانهم، فالمليحي لاتُؤكَلُ إلّا باليد...
وحدي، من بين أكثر من عشرين رجلاً، جُلّهم من الزّملاء، تربّعوا وتوزّعوا في أربعِ جهاتِ المضافة، كنتُ أنتظرُ بتوجّسٍ واضحٍ أن تهلَّ "المليحي" الموعودة..
يمرُّ أوّلاً صاحبُ الدّعوة أو "المعزّب" على الضّيوف والمعازيم حاملاً إبريقَ ماءٍ ووعاءً من أجلِ غسل اليدين أو اليد اليمنى فقط قبل أن تبدأ الغرف..
وكنتُ أبدو كطالبٍ لايمكنهُ إخفاء توتّرهِ قبل الامتحان.. وزّعوا علينا أوراقَ الإجابة .عفواً، وزّعوا المفارش ثم جاؤوا بأوراقِ الأسئلة أو تلك الأوعيةِ الكبيرة (المناسف) وقد امتلأت بالطّبيخ الذي انطرحت فوقه هبر اللّحمة ثم جاءَ المعزّب يحملُ سطلاً كبيراً من المرق يسكب منه فوق كل منسف / "طشت" حتى بدت قطعُ اللّحمة والطّبيخ كجزيرة وسط المرق..
هنا تساءلتُ والدّهشة تغمرني: كيف سأتناولُ هذا الطعام الذي يتنهّد بخاراً حارقاً؟!
انبرى زميلي مدرّب الفتوّة ليعطيني درساً عاجلاً في التّكتيك والمناورة بالأعداد:
أوّلا: شمّر عن ساعدكَ هكذا حتى المرفق..
ثانياً: غطِّس يدكَ في المرقِ حتى تصلَ إلى الطّبيخ..
ثالثاً: ادعك أو اعجن الطّبيخ بالمرقِ حتى يتحوّل المزيجُ إلى عجينة..
رابعاً: خذ قبضةً من العجينةِ ثمَّ أدرها هكذا بين الأصابع وراحة اليد حتى تأخذَ شكلاً وحجماً مناسباً..قد تكون صورة ‏برياني‏
خامساً: ضعها في فمكَ بحركةٍ واحدةٍ هكذا...
وبحركةٍ خفيفةٍ سريعةٍ ساهمت بها السّبابة أو الإبهام ـ لا أعرف ـ كانت اللقمة السّائغة قد غابت في فمه! حركة ٱليّة متقنة أين منها عمليّةُ التلقيمِ في البندقيّة الٱليّة الكلاشينكوف.. أَلِهذا سُمّيَت لقمة أو سمّوا تلك تلقيم؟!
كانوا قبل أن يحضرَ المليحي قد بدّدوا الوقت في أحاديثٍ مناسبة أو دعابيّة من شأنها بثُّ روحِ الحماس والتّشجيع اللازمين لهذهِ المغامرةِ الجديدة عليّ.. منهم من قال: تعلّم المليحي بدون معلم، وٱخر: تعلّم المليحي في خمسة أيام.. مدرّب الفتوّة اختصرها إلى خمس حركات..
وكنت عاجزاً طبعاً عن إعادة تلك الحركات التي يرونها سهلةً وبسيطةً بينما وجدتُها معقّدةً كمتدرّبٍ جديد على قيادة السّيارة فلا يعرفُ أن يوازن بين رفع القدم عن "الدبرياج" مع ضغط القدم الأخرى على دوّاسة البنزين.. فشلتُ في صنع لقمة وكان طبيعيّاً أن أفشل أيضاً في عمليّة التلقيم، وحمدتُ الله أنّ شاربي ليس كثّاً أو متهدّلاً حول طرفيّ الفم...
هنا ركنتُ إلى الأمرِ المحظورِ وطلبتُ ملعقة...
وماذا للملعقة أن تفعل في هذا البحر من الطبيخ والمرق؟! بل ماذا بوسعها أن تفعل في خِضمّ الجرّافات اليدويّة التي راحت تنزحُ من المليحي بشكلٍ خرافيّ؟! كنتُ بملعقتي البائسة كمن يحاول أن يشرب من النبع بغطاء قنينة "كازوز"..
تضربُ ملعقةً أو ملعقتين لتجد أنّك لم تؤثّر لا من قريبٍ ولا من بعيد بتلك المنطقةِ المعتبرةِ لك في طرف المنسف بينما يكون جاركَ من اليمين أو اليسار قد فتح جبهةً في مركز هجومهِ وعمليّاته وكأنَّ صاروخ "توماهوك" قد سقط هناك..
وإذ تنتهي الغارةُ على المليحي، وأنا ٱسف لاستخدام هذا الكم الهائلِ من المفردات العسكريّة، في زمنٍ بتنا لانسمعُ فيه سواها، تكونُ أنت بالكادِ قد ازدردتَ مايسدُّ رمقك، أنتَ الذي كنتَ تأملُ أن تكون وجبة العمر..
ومن خلال تجشّؤات الجميع وقولهم أنّهم لن يتناولوا الطعام قبل عدان أربعٍ وعشرين ساعة، تكون أنتَ تفكّرُ في وجبة العشاء القادمة ولا بأس ببعض الأرز بالشّعيريّة أو حتى بيضة مقلية....
* نشرت في مجلة "تشرين الاسبوعي" العدد 195/بتاريخ 2002/1/15
---------------------------------------------------------------
ملاحظة: أولا الصور من الانترنت..
ثانيا: أهل حوران اهل كرم وأنا هنا أكتب عن المليحي من وجهة نظري أو وجهة نظر من لا يعرفها.. لكنها أكلة طيبة لها شعبية كبيرة هناك..