جبل الأقرع (صفن) الذي كان يوماً ما مسرحاً لكثير من الملاحم والأساطير
د. غسّان القيم
إن أقدم المصادر التي وصلت إلينا عن هذا الجبل الشامخ تبرز كيف أن الطابع الديني قد هيمن على أجوائه منذ أقدم العصور..
حتى بتنا نتساءل إن كان يوجد حقاً في العالم قاطبة جبل يمكن أن تجتمع فيه مثل تلك الذكريات التاريخية.. لهذا الجبل المقدس الذي كان ضمن الحدود الطبيعية لمملكة اوغاريت الواسعة الأطراف منذ أربعة آلاف من الأعوام
.في كتابه الرائع "أبحاث تاريخية وأثرية" للباحث الراحل "جبرائيل سعادة" أفرد لهذا الجبل الشامخ مادة بحثية غنية وهامة. والذي حمل أسماء عديدة على مرّ العصور التاريخية التي مرت على المنطقة..
حيث نرى بأنه حمل في نصوص رأس الشمرة/أوغاريت/ التي تعود الى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، إشارات كثيرة الى هذا الجبل، حيث أُشير إليه باسم /صفن/ ص. ف. ن/ أي الشمال، وهو المكان الأسمى المقدس كما روته لنا ملاحم وأساطير أوغاريت، حيث يقيم الإله بعل.. إله المطر والعاصفة عند أهل أوغاريت، الذي ارتبط مصيره ارتباطاً وثيقاً بمصير الجبل، ومن هنا نفهم في تسميته باسم /بعل صفن/ وهو الاسم الذي تجده في الكثير من الكتابات والقصائد التي اكتشفت في أوغاريت.. وما أكثر ما كتبه العلماء والباحثون واللغويون عن هذه القصائد..
حيث تحدّثت هذه النصوص كيف بني لبعل قصراً زاخراً بالفخامة والابهة يليق به..
وعلى وقع هذا الحدث العظيم أقيمت الاحتفالات الدينية على قمة جبل الأقرع بمناسبة سكن الاله بعل في قصره الجديد.. فترتل الأناشيد وتحّضر الولائم وتكرع الخمور..و بناء قصر لبعل.. هو لتأكيد حكمة الخير على الآلهة والبشر:
"في قلب جبلي المقدس..
في جبل ميراثي
في المواطن الجميلة..
في هضاب النصر"..
التساؤلات الكثيرة التي حيرت العلماء والآثاريين الفرنسيين الذين نقبوا في مدينة أوغاريت الأثرية، عن إنه هل انتصب معبد ما فوق تلك القمة الشامخة التي قدمت لها قرابين عديدة على مر العصور..؟.... أم أن قصر بعل لم يكن له من وجود إلا في خيال شعراء أوغاريت؟...
وإن كانت البعثة الأثرية الفرنسية التي نقبت في ثلاثينيات القرن الماضي لم تعثر على بقايا أي معبد، فإن الكشف الأثري تمكن من كشف بقايا القرابين التي احتفل بتقديمها على مر العصور.. وقد اهتم منقب أوغاريت عالم الآثار كلود شيفر بالموضوع، وقام بالكشف على الموقع تحديداً سنة /1937/م وكشف عن وجود تل صناعي فوق قمة الجبل يتراوح قطره /55/متراً وارتفاعه في الوسط /8/متر، وهو مكون من الرماد والحجارة المحمرة، بفعل النار التي كانت توقد لشي الأضاحي المقدمة، وهي على الأغلب من الخرفان...
وأخيراً نقول: إن جميع ما دار من أحاديث واساطير لهذا الجبل لم تعد اليوم أكثر من وثائق أرشيفية لايعود إليها إلا أصحاب الاختصاص.. ونحن إن سطرنا بعضاً من قصة هذا الجبل لمن لايعرفها، إنما أردنا ان نسترق السمع الى همس القرون الغابرة حتى ليدركها السمع إدراكه لعزيف الريح في غابات الصنوبر التي تغطي منحدراته أو لتلاطم الأمواج المتلاشية أبداً تغسل قدمي جبلنا الشامخ، وتوقظ ملاحمه وأساطيره لكي يتربع بعل صفن فوق عليائه يطل على الناس بوجهه الأخضر مطلقاً بروقه ورعوده ورياحه فوق قمته الشامخة واعداً الناس بالخير والمطر...
المصادر والمراجع العلمية:
أبحاث تاريخية وأثرية للراحل الباحث جبرائيل سعادة
مجلة الحوليات الأثرية السورية، ومصادر علمية أخرى