آرا سوفاليان: بياع الاكسيلنس

في العام 1967 تم تأميم المدارس الخاصة في سوريا ومصادرتها وكانت مدرستنا (النور والمنار) مال اوقاف فاكتفوا بختمها بالشمع الأحمر، وكانت الحجة ان هذه المدراس بالمجمل هي تحت ادارة الارساليات التبشيرية برئاسة رهبان وراهبات وهؤلاء هم الفتنة وهم الاستعمار والامبريالية والصهيونية العالمية ورؤوس الشر، ولم تشفع لهم انجازاتهم والتي تعتبر وطنية بامتياز فقد تخرج من مدارسهم النخبة وفي عهد النخبة، كفارس بك الخوري والقوتلي والعظم والقدسي ومردم بك والعابد والبارودي والحنّاوي والبكري والبهنسي والبيطار والجزائري والجلاد وجمعة والطرابيشي والميداني وحتاحت والحجّار والحصني والحفّار والحكيم والميداني والحواصلي والسبع والخجا والخرسا والخطيب والخن والخياط والخيمي والدالاتي والداوودي ودبس وزيت والدقر ودكماك ودك الباب والذهبي والرفاعي والركابي والزعيم والسباعي وشبيب وشخاشيرو والشربجي وغيرهم الكثيرون.
فتم سد الشباك الذي تأتي منه الريح.
واجتمع هؤلاء الرهبان والراهبات وقصدوا لبنان وهناك أسسوا المدارس والجامعات كاليسوعية وجامعة مار يوسف وجامعة البلمند حيث تم تخرج اطباء ومهندسين واقتصاديين وفيزيائيين وعاملين في السلك التعليمي وفي ناسا في حين تم حرمان الطلاب في سوريا من اللغة الاجنبية لكونها ارث استعماري لا يصلح لشيء.
وبالتالي حمل الطالب في سوريا عبئاً اضافياً... ترميم المنهاج المفشكل والذي في معظمه عرض عضلات مؤلفي الكتب واختراع الألغاز وتضمينها في كتبهم، وترميم اللغة الأجنبية المهلهلة والتي تبقى مهلهلة حتى الى ما بعد التخرج من الجامعة.
أذكر أن والدتي كانت تشرف على تدريس اختي الطالبة في كلية الأدب الفرنسي وظلت تلاحقها حتى تخرجت من الكلية... وهي نفسها اشرفت على تدريس اولاد أخي الكنديين اللغة الفرنسية ولا زالوا يعترفون بفضلها حتى اللحظة وهي خريجة الارساليات التبشيرية في عهد الانتداب الفرنسي (مدرسة الراهبات الاليعازريين في باب توما).
المهم: كان مصيرنا هو المدارس الحكومية او الشارع...وتم تسجيلنا في مدرسة يوسف العظمة الكائنة في ساحة العباسيين ولها بابان داخلي وخارجي وقد تغيير اسمها حتى اليوم عشرات المرات.
كنا نحب الباب الداخلي ونتجمع هناك ننتظر دخول المدرسة ونحن جماعة الدوام الثاني (بعد الظهر) وكان هناك لفيف من البائعين الجوالين يعرضون علينا بضاعتهم ويطمعون بخرجيتنا التي لا تتجاوز العشرة قروش.
غزلة – فول نابت – بليلا – ذرة – مصاص التفاح – شطو مطو – راحة وبسكوت – حلوى – عجوة – ملاوق (مسامير معدنية تدور في صحون المنيوم تحوي مربى التين والسفرجل والسمسم ومربى الورد ومربى النانرج مع اللوز...)
كنت احب جوز الهند وهو في صواني من الألومنيوم وبثلاثة ألوان شوكولا ووردي وأبيض, وكنت اعتقد ان طعم جوز الهند الوردي هو أطيب طعم في الدنيا وما عليها.
كانت تلفق حكايات على هذا البائع وهو يقول عن نفسه "أنا بياع الاكسيلنس" ويبدوا ان منافسيه هم من يختلقوا هذه القصص لأن رزقته هي الأكبر وهم يغارون منه... وكان التشهير بالرجل يدور حول موضوع انه يتحرش بالاطفال... هذا ما سمعناه من الاولاد فتجنبنا هذا البائع لنكتشف انه مسكين ومريض ومظلوم... كان يقع بالساعة فهو مصاب بداء الصرع... لقد حدثت حفلة رعب مرة عندما جاءته النوبة فوقع على الارض وأصطدم رأسه على حافة الرصيف وخرج الزبد من فمه وجاء باعة آخرين أحدهم يحمل سكين وضعها تحت رأسه لكي تخرج شحنات الكهرباء الضارة من رأسه وتذهب في الارض... المنظر بحد ذاته آلمني خاصة وبعد ان رأيت السكينة توضع تحت رأسه فلقد خفت وظننت انهم سيهمّون بذبح الرجل فبكيت.
في اليوم التالي اقتربت منه فسألني عن اسمي وعرف انني أرمني فصار يحدثني باللغة الأرمنية فجننت... كيف... وهو بائع الاكسيلنس... كيف يتعلم الارمنية بائع حلوى جوز الهند؟
قال لي: انا من القدس وكنت في مدرسة الارمن في القدس واعرف الارمنية... وأعرف الفرنسية... وغنى لي أغنية بالفرنسية... وتحدث بالطليانية ثم بالانكليزية.
ومنذ ذلك اليوم كنت أصرف خرجيتي عند بياع الاكسيلنس وأجرّ كل رفاقي ليشتروا من عنده... وكان ينتقل من باب مدرسة الى باب مدرسة اخرى... من يوسف العظمة الى محي الدين بن داوود الى العناية الرسمية الى أمية.
كنت اعرف الصلاة المسيحية وقتها ولم انساها كم حدث لي اليوم... بكيت وصليت له حتى لا تأتيه نوبة الصرع مرة أخرى لكي لا يضعوا السكين تحت رأسه... هذا المسكين المتهوم ظلماً وهو بائع متجول للصغار ويعرف عدة لغات... ويتقنها أكثر من الوزير سليمان الخش وجماعته الذين اغلقوا المدارس التبشيرية وقرروا ان اللغة الأجنبية هي شيء غير مهم, فكسروا بخاطر كل طلابنا في رحلتهم التكميلية لإختصاصاتهم في بلاد الغرب المتنورة وتركونا بغبائهم ندفع الثمن.

آرا  سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني