كن قلقاً.. وستخسر حياتك!
زينة نبيل حسن- خاص فينكس:
كم عدد المرات التي استيقظت فيها كسولاً متعباً، لا تملك أية رغبة أو طاقة للقيام بأي شيء، ولا تملك أي حماس للدفاع عن أحلامك وأهدافك وطموحاتك؟
كم عدد المرات التي ذهبت فيها إلى عيادات الأطباء مستهلكاً كامل مدخراتك المالية في إجراء تحاليل طبية وصور شعاعية دون أن تحصل في النهاية على نتيجة تذكر، ودون الوصول إلى حل يريحك ويكف عنك ما تعانيه من أعراض جسدية مزعجة ومؤلمة؟
كم عدد المرات التي وقعت فيها في فخ المقارنات مع الآخرين، إلى أن أصبت بالقلق الدائم على مستقبلك في وسط محيط يعج بالتنافسية والإنجازات، فكيف لك أن تشعر بالأمان وأنت تسمع أخبار نجاحات أصدقائك بينما أنت لا تقوَ على النهوض من فراشك؟
كم عدد المرات التي شعرت فيها أنَّ الظروف أقوى منك وأنَّك أصغر من تصل إلى ما تريد وترغب؟ كم عدد المرات التي وقف فيها العمرعائقاً أمام إنجازاتك فوجدتَ أنَّ القطار قد رحل ولم يعد هناك إمكانية لتحقيق شغفك وأحلامك؟
كم عدد المرات التي شعرت فيها أنَّك تعبر الحياة كالضيف الخجول الرسمي الذي لا يستطيع كسر خجله والاستمتاع بكل ما في بيت المضيف من تفاصيل؟ كم مرة شعرت أنَّك تحيا كهيكل ولكن دون أدنى حد من الاستمتاع؟ وكم مرة فشلت في عيش لحظتك من دون تطفل آلام الماضي ومخططات المستقبل الكبيرة إلى حد الإعياء؟
هناك ما يفصلك عن الحياة وهو القلق
أولاً: ما هو القلق؟
هو تلك الحالة الإيجابية التي تشجع الإنسان على العمل والإنجاز، حيث يؤدي هرمون الكورتيزول "هرمون التوتر" إلى تنشيط ذهنك وعقلك وذاكرتك، كما أنَّه يُعدِّل ضغط الدم ومستوى السكري في الدم، بحيث تكون في حالة رائعة للعطاء والإبداع. ستكون حياتنا بلا معنى إن كانت خالية من التوتر، فالتوتر هو مَن يعطي الإثارة لحياتنا. تخيل لو أنَّك شاهدت منافسة بين بطلين من أبطال كمال الأجسام، وقد فاز أحدهما على الآخر بمنتهى السهولة، فهنا لن يبقى مجالاً للإثارة والمتعة والتوتر اللطيف أثناء المشاهدة، لذلك يختار المسؤولون عن بطولات كمال الأجسام الأبطال القابلين للهزيمة، وليس الأبطال الخارقين الذين لا يهزمون، حيث يحقق البطل القابل للهزيمة إثارة كبيرة وتوتر جميل لدى الجمهور في أثناء محاولاته الكبيرة للانتصار. إذاً التحديات في الحياة ضرورية وفعالة لخلق حالة من التوتر الذي يشجعنا على العمل والعطاء.
ولكن يتحول القلق والتوتر إلى سم حقيقي في الحياة في حال استسلام الإنسان له، وفي حال زيادة معدلاته عن الحد الطبيعي والمفيد لها. إذ يسلب القلق الإنسان راحة باله وهناء حياته، ويقتل حماسه ورغبته وطاقته، ويتركه أسير صراعات داخلية وحالة نفسية غاية في السوء.
ثانياً: أعراض القلق
يأتي القلق على هيئة أعراض نفس-جسمانية، إذ يهاجم القلق الجسم مُضعِفاً مناعته، فيشعر الإنسان بوهن عام وكسل شديد بالرغم من عدم قيامه بجهد يذكر، كما يشعر باضطرابات في النوم والأكل. كما تُعرِّض مستويات الكورتيزول العالية الإنسان إلى الجلطات القلبية، وإلى الإصابة بمرض السكري وضغط الدم. إضافة إلى الإصابة بالدوار والدوخة والصداع وألم الأسنان والعصبية الزائدة.
أثبتت دراسة في جامعة هارفرد أنَّ القلق يساهم في 30% من نسبة وفيات الجلطات القلبية. كما أثبت الطبيب (رسل- لي سيل) المدرس في كلية الطب بجامعة كورنال والأخصائي العالمي في داء التهاب المفاصل؛ أنَّ القلق من ضمن الأسباب الأساسية للإصابة بالتهاب المفاصل. كما أوضح الطبيب (وليم ماك كونيل) أنَّ الانفعالات التي يسببها القلق والخوف الدائم قد تصيب ميزان الكالسيوم في الجسم باختلال ينشأ عنه ألم الأسنان وتلفها.
ثالثاً: ما وراء القلق
يوجد خلف مشاعر القلق الكثير من التفاصيل والمخاوف، منها:
1. الخوف من عدم القدرة على تحقيق الهدف:
قد يصاب الإنسان الطموح بمشاعر من القلق الشديد، إذ يشعر أنَّ الظروف المحيطة به (المادية- العائلية- انعدام الأمان في بلده) غير مواتية للبدء في أهدافه ومخططاته، الأمر الذي يبقيه في حالة نفسية وجسدية متهاوية.
2. غياب الرسالة:
ستشعر بالضياع والقلق لا محالة في حال غياب الرؤية والأهداف والغاية عن حياتك. تخيل نفسك أنَّك تمضي في الحياة بطريقة عشوائية طائشة، فمن المنطقي أن تكون النتيجة قلق وتوتر وعصبية وأمراض جسدية.
3. التوقعات من الأخرين والأحكام القاسية:
عندما يقوم الإنسان بأعمال صالحة للآخرين، فإنَّه يصاب بالقلق والتوتر في حال انتظاره الرد من الآخرين، وستنعدم راحة باله وسيبدأ في شن حملة من الأحكام القاسية في حق الناس (بخيل، عديم المسؤولية. الخ) . من جهة أخرى، قد يتوقع الإنسان امتلاك الآخرين لذات قيمه ومبادئه، الأمر الذي يشعره بقلق دائم في حال اكتشافه لاختلاف الآخرين عنه.
4. عدم فهم نظام الحياة:
يتوقع بعض الناس أنَّ الحياة وردية ومثالية، وخالية من التحديات والاختبارات، الأمر الذي يصيبهم بالقلق والخوف في حال تعرضهم لأزمة ما أو صدمة ما.
5. المقارنات:
يعشق بعض الناس إجراء مقارنات بينهم وبين الآخرين، الأمر الذي يصيبهم بحالة من القلق والتشتت وانعدام الطاقة، إذ يقارن بين حالته المادية وحالة صديقه المادية، أو بين حظ صديقه الجميل وحظه العاثر. كأن يقول: "لماذا لم أحصل على فرصة عمل جيدة كالتي حصل عليها صديقي؟"، "الحياة ظالمة وغير عادلة".
6. الرفض وعدم القبول:
قد يعاني الكثير من الأشخاص من رفض الواقع والقدر، كأن ترفض فتاة وفاة أبيها، ويرفض شاب انفصاله عن حبيبته، و ترفض امرأة إصابتها بالعمى، الأمر الذي يضعهم أمام حالة من القلق والتوتر وعدم الرضا.
7. ضعف الإيمان:
لا يملك مَن لديه مشاعر قلق قوية إيماناً قوياً بالله، بل من الممكن أنه يجد أنَّ الله غير عادل ولا يهتم به وبأمره، ويفسر كل حادثة سلبية تحدث في حياته على أنَّها غضب من الله.
8. التركيز على النقص:
يركز مَن يعاني حالة قلق دائمة على الأشياء الناقصة في حياته، ولا يعير انتباهاً للأشياء التي يملكها وإن كانت كبيرة. ويدقق على توافه الأمور ويصنع منها مشكلة كبيرة.
9. سوء تفسير لتجارب الحياة:
يملك مَن يعاني حالة قلق دائمة منهجية تفكير غير إيجابية؛ إذ ينهار عصبياً لدى اختباره لأية تجربة سلبية في حياته، وبدلاً من محاولة استخلاص الدرس منها؛ يغوص أكثر فيها ويتماهى معها، سامحاً لها بتدميره تماماً.
10. التعلق الشديد:
يختفي وراء مشاعر القلق إنسان شغوف في أمر ما إلى درجة الهوس، أي أنَّه علَّق سعادته ووجوده على هذا الأمر، بحيث يكون سعيداً إذا تحقق الأمر، وتعيساً في حال لم يتحقق، ممَّا يضعه أمام حالة من القلق والتوتر الدائم ريثما يتحقق ما يريد.
11. عشق التفاصيل:
يفكر مَن يملك مشاعر من القلق الدائم عشقاَ للتفاصيل إلى حد التعب، ففي حال رغبته في إنشاء مشروع ما؛ فإنَّه يرغب بدراسة المشروع كاملاً وبكل تفصيل دقيق من تفاصيله، حتَّى أنَّه يهتم بالأمور التي لا يستطيع التنبؤ فيها منذ البداية، الأمر الذي يمنعه من اتخاذ الخطوة الأولى، ويثنيه عن إنشاء المشروع.
الخلاصة:
القلق نتيجة تُخفي وراءها الكثير من الكواليس العميقة والصادمة، والتي علينا البحث في تفاصيلها لفك شيفرتها والتحرر من ألم القلق.