آثار النبذ و الإهمال على الطفل

ميساء دكدوك- فينكس:

رجاء الإنتباه: النبذ والإهمال يؤديان إلى الإنحراف لحدود الإجرام 
في السنوات الأخيرة، وخاصة في الأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا العربية، تكثر الخلافات والإنفعالات بين الوالدين مما يؤدي إلى سوء التكيف، وهذا يؤثر على الطفل من نبذ وإهمال أو حرمان، ويحدث أن كل طرف يحمل حقده وغضبه على الآخر ويرميه على الطفل.ميساء دكدوك1
والنبذ هو سلوك ظاهر يتصف بعدم الرضا يوجه نحو الطفل، مايجعله يعتقد أنه ليس محبوبا وليس له قيمة، وهو سلوك يهدد أمان الطفل ويتركه فريسة للشعور بالشك وبأنه وحيد وخاصة عندما يكرر الأبوان الإشارة إلى نواحي النقص بالطفل وإقبالهم على تهديده وتأنيبه وعقابه الشديد واحتقاره والإشمئزاز منه والسخرية من أي عمل يقوم به.
وهناك الكثير من الصور التي يستخدمها الأبوان بحالة الغضب، بمعرفة منهما أو جهل، كهجر الطفل أو طرده من أمامهما باستخدام عبارات قاسية (اطلع برا)، (ادخل غرفتك ولاتخرج).
وتعتبر التفرقة في المعاملة بينه وبين إخوته والمقارنة بينه وبين أطفال العائلة وأبناء الجيران والتعمد بالقول أمامه (أنت ولاشي، ليتني ما أنجبتك) وغير ذلك من عبارات النبذ.
إن النبذ يجعل الطفل في خوف دائم من والديه، ويعتقد جازما أنهما لايحبانه ولن يقدما له المساعدة، وأنهما على استعداد للتخلي عنه أو تحقيره، و يعيش الطفل في عالم خطر مما يؤدي به إلى عدم قدرته على التسامح وتهديد أمنه، و بالتالي عدم تقديره لذاته.
وقد يؤدي نبذ الوالدين للطفل إلى اضطرابات سلوكية متنوعة تختلف في الشدة، فقد يغضب الطفل لجذب الإنتباه وقد يصل به الإنحراف في السلوك كأن يسرق ويقصّر دراسيا.
وممكن جدا يصبح عدوانيا، انفعاليا تجاه نفسه أولا (وهذا أمر خطير) وتجاه الآخرين، وقد يعصى القوانين والأنظمة في المدرسة. عزيزتي الأم، عزيزي الأب:
إن شعور الطفل بالاضطهاد يؤدي إلى التبرم من السلطة (سلطتكما وسلطة المدرسة)، كما يؤدي إلى الشعور بالراحة أثناء قدرة الطفل على توجيه إهانات لكما وإقلاق الأم عليه.
كثيرا ماكنت أسمع من الأهل سلوك بعض الأطفال يختبؤون ضمن المنزل، أو يغيبون بلا معرفة الأهل، من أجل إقلاقهم بعد كل عقوبة منهما له، وممكن أن يتلعثم الطفل بالكلام ويصاب بالتأتأة والتبول اللاإرادي. أما الإهمال أو حرمان الطفل من الرعاية أمر أخطر من النبذ، وعلى الأبوين الانتباه.
قد نجد الكثير من الآباء لايهتمون بالإشراف على أطفالهم أو العناية بهم والعطف عليهم، وقد يرجع ذلك إلى عدم قدرتهم على تعليم الطفل احترام السلطة واتباع القواعد الإجتماعية، وقد يعود هذا الموقف في بعض الحالات إلى موت أحد الوالدين أو الطلاق، بحيث أن الآباء لايزودون الطفل بالعناية الكافية، وممكن أن يتركوه وحيدا في البيت، أو ينعتوه بألفاظ قاسية، كأن يقولون له أنت قذر ومظهرك غير لائق. 
قد لايهتمون بإطعامه بانتظام أو يتركوه من غير طعام ولاينال منهم قبلة أو ضمة، مثل هذا الطفل يكون بحاجة للعطف، ويصبح شغوفا بالإنضمام إلى نشاط الجماعات غير المرغوبة، أو قد تستبد به الرغبة إلى إرضاء الآخرين حتى يتنبهوا إليه، وفي بعض الأحيان يمكن أن ينغمس في التفكير فيما يهفو إليه، فيعيش في الخيال وأحلام اليقظة.
فإذا كان الطفل المهمل يعيش في بيئة موبوءة، فإنه يلجأ إلى الإنحراف وإلى تحدي السلطة ولا يقبل اللوم على سلوكه الذي لايتفق مع القانون ولايكاد يشعر بالذنب على مايقترف من إثم، وعلى الرغم أنه لايكون شرسا عادة فإنه يميل إلى الإفتراء على من هم أضعف منه، وقد تتكرر سرقته في منزله أو من زملائه في المدرسة، حتى إذا وصل إلى فترة المراهقة فإنه يصبح عضوا في عصابة منظمة أو أن يصاحب أصحابا لاينظر إليهم نظرة الإحترام، فيكون بينهم نعم الصديق، ولكن القانون والنظام يهددانه. مثل هذا الطفل ممكن جدا أن يصير مجرما.
كثيرة هي الأمثلة في مجتمعاتنا على هذه النوعية من البشر، و أنا شخصيا صادفت الكثير منهم والتقيتهم، و عند الكلام معهم والاصغاء إلى كلامهم تجدهم لايسمعون غير مابأفكارهم من أخطاء.
(فعندما أقول لهم: إن ولدكم يحتاج الى الإهتمام يجيبونني أن مصروفه اليومي يتجاوز راتبك الشهري ياآنسة نحنا مرتاحين وماعم ننقص عليه شي اسأليه ). ويأخذنا الحوار إلى أن أصل معهم لفهم الحرمان والنبذ.
أخيرا: لا أخفي قلقي، ويجب أن يقلق جميع المهتمين بالشأن التربوي، فالحروب وعدم الاستقرار الإقتصادي والجهل بأساليب التربية وعدم الإكتفاء، هذا كله لن يؤدي إلى إنتاج شخصية سوية، لذلك كنت دوما أقول في الندوات التلفزيونية والاذاعية: على المؤسسة التربوية أن تفرز مدربات ومدربين لإقامة دورات تأهيل للشباب والشابات المقبلين على الزواج وتأسيس أسرة.
إن الحالة التي تمر بها مجتمعاتنا العربية خطرة للغاية، و إذا لم يجد المعنيون خطة إنقاذ، فإن الأجيال القادمة لن تتمتع بصحة نفسية سوية.