الأعباء العقلية للمرضى النفسيين
من خلال عملي مع المراجعين، رأيت مجموعة واسعة من الأعباء العقلية التي يكافحون للتخلي عنها، أو يكافحون حتى لإدراك أنهم ما زالوا متمسكين بها. ومع ذلك، من المذهل ظهور الموضوعات المتشابهة في قصصهم مرارا وتكرارا.
1- أخطاء الماضي:
كلنا نخفق، ومن الطبيعي أن تكون لدينا مشاعر حيال إخفاقاتنا. غير أن مشكلة "لو أني بس"، هي أنها لا يمكن أن تؤدي إلى فعل أو اتخاذ إجراء. من ناحية أخرى، فإن المسار الذي سلكناه هو المعروف والحقيقي، وقد قادنا إلى ما نحن عليه الآن، مع مستقبل مفتوح على مصراعيه يمكننا التأثير فيه - بطريقة لا يمكننا التأثير فيها على ماضينا.
ربما نشعر بالأسف الشديد حيال عدم تحسين أدائنا في المدرسة بحيث أننا لم نزعج أنفسنا أبدا باستكشاف خيارات وظيفية جديدة. أو ربما نكون منزعجين جداً من "إضاعة" الثلاثينيات من العمر في علاقة مختلة ونعتقد خطأً أن الوقت قد فات للعثور على شخص جديد.
علينا ألا ندع الندم يحرف تفكيرنا لدرجة نفوّت علينا الطريق الذي يتجه إلى الأمام. ليس علينا التخلي عن ماضينا تماما إذا كنا لا نريد ذلك. فهو يمنحنا نظرة استبصار على من نكون، وكلما فتحنا أعيننا أكثر على ما منحنا إياه، وكيف يمكن أن يكون ذا مغزى بطريقة إيجابية، أمكننا التخلي عن عبئه. يمكننا حتى احتضانه كدافع. ويمكننا تغيير "لو بس" لقبول ما تم فعله، وترك الأسف، فنكون أكثر استبصارا في المضي نحو الأمام.
2- كيف "ينبغي" أن تكون الأشياء:
قبول أن الحياة ليست عادلة لا يعني التخلي عن الكفاح من أجل العدالة، أو الاعتقاد بأنه لا ينبغي علينا محاولة ممارسة الاستقلالية عندما نستطيع. بدلاً من ذلك، يعني ذلك التركيز على ما يمكننا التحكم به - وتحرير أنفسنا من معركتنا المستمرة مع ما لا يمكننا التحكم به. قد تكون ثقافة مجتمعنا أو مكان عملنا غير فعالة، ولكن يمكننا أن نعيش قيمنا الخاصة من خلال أفعالنا وتفاعلاتنا الفردية، مما يضيف الإيجابية المتزايدة. قد لا نكون قادرين على تغيير السلوك القاسي لشخص ما، ولكن يمكننا التصرف بطرق تجعل سلوكه يبدو شاذا.
مع الأحداث التي لا نتحكم فيها مطلقا، لنلاحظ كيف سيكون قبول تلك الحقائق وإيجاد الجمال أو الدهشة في مكان ما بداخلها، بدلاً من الصراع ضدها؟ وكما يقال للأطفال الذين يشاهدون الأخبار المخيفة على التلفزيون: "ابحثوا عن المساعدين". هناك دائما أشخاص سيختارون المساعدة - بغض النظر عن مدى ظلمة اللحظة- ويحضرون معهم القليل من الضوء.
3- حدادنا على توقعاتنا الضائعة:
يمتد مفهوم الحداد إلى ما وراء الحزن على فقدان شخص نحبه. نحن نحزن أيضاً على التوقعات الضائعة، خسارة الأشياء التي توقعنا حدوثها ولكن لم تتم. ربما نكون قد حملنا العديد من الرؤى عن أنفسنا في المستقبل: نوع الشخص الذي سنكونه، نمط حياتنا أو شريكنا. ما نوع المنزل الذي سنتملكه أو الوضع المهني أو التعليمي الذي سنحظى به. من النادر أن تأتي حياتنا تماما كما تصورناها. هناك جمال في تعلم الانحناء والنمو مع هذه التوقعات المتبدلة، ولكن لنكن واقعيين: هناك إزعاج أيضا. وغالبا ألمٌ قد نحاول منعه أو تجنبه أو إنكاره.
فهل هناك شيء نحتاجه لنسمح لأنفسنا بالحزن حتى نتركه ونمضي قدما؟
قد يكون حزننا أكثر وضوحا: ربما أدى فقدان أحد أفراد الأسرة بالفعل إلى تمزيق حياتنا، أو أن إصابة أو مرض أو إعاقة قد غيرت قدراتنا الجسدية وأخلّت بحياتنا. ربما تكون الانتكاسة المالية أو المهنية غير المتوقعة قد أذهبت الراحة المادية التي كنا نفترض دائما أننا سنحصل عليها.
يتضمن المضي قدما الاستعداد للتخلي عن الرؤية التي حملناها بحرفيتها. قد يبدأ رفضنا للتخلي عن الذات كمحاولة للتأقلم الذاتي، لكن بعد نقطة معينة يصبح عائقا. ما هو النمو الذي يمكننا الانفتاح عليه من خلال التخلي عن هذه الرؤية الخاصة بنا والتي كنا نحملها لفترة طويلة؟
4- الأهداف التي لم تعد تناسبنا:
ربما غيرنا رأينا كثيرا حيال من نحن بين سن الثامنة والسادسة عشرة، لكن ليس كثيرا بين السادسة والثلاثين والأربعة والأربعين. الاستقرار أمر جيد بالطبع - لكن يمكن أن نتمسك بالأهداف والمعتقدات المتعلقة بأنفسنا بعد فترة طويلة من تاريخ انتهاء صلاحيتها. فهل نتشبث بشيء يناسب نسخة 2006 أو 2009 أو 2019 منا؟
لنسأل أنفسنا: هل نحن متمسكون بهدف معين لم يعد يخدمنا؟ هل يمثل من نريد أن نكون حقا؟ في واقعنا الحالي، أم أنه يمثل تخيلاً فات أوانه؟ هل سمحنا لأنفسنا بقبول ذاتنا الحقيقية بشكل كامل، بدلاً من أنا المستقبلية المحتملة أو الماضية؟
هي دعوة لنا جميعاً لنتخفف من الأثقال التي ما نزال ننوء تحتها، رغم فوات أوانها!
د. تيسير حسون
طبيب أمراض نفسية