يعقوب رمزاً للشجاعة والرجولة
إدلب 24 - 28 آذار 2015
في الجزء الشمالي الشرقي لمدينة إدلب كان يتمركز حاجز الجيش الأكثر شهرة من بين ٢٢ حاجز موزع على أطراف المدينة من جهاتها الأربعة.. يعرف الحاجز بإسم حاجز يعقوب.
يعقوب هو رقيب مسيحي من إحدى قرى الساحل السوري كان يتولى تفتيش السيارات الآتية إلى المدينة.. ورغم وجود عدة ضباط و جنود على الحاجز، إلا أن يعقوب هو الأكثر تمايزاً عن الجميع.. كان شاباً في الخامسة و العشرين من العمر، وسيم الملامح.. حاد الذكاء، لا يعرف معنى التعب و لم يحدث وأن عبرت حاجزه أية أسلحة أو عناصر تخريبية.
كل سكان المدينة يعرفونه.. و كذلك كل المسلحين المعارضين خارجها، في حين أن اسم المحافظ أو قائد الجيش لم يكونا معروفين من قبل الكثيرين.
ربطتني صداقة متينة بالرجل خلال اقامتي في إدلب.. وأذكر أنني سألته في احد الأيام إن كان له اخ توأم فأجاب بالنفي وهو مستغرب للسؤال!؟
- قلت له: لم يسبق وأن مررت يوماً على حاجزك ليلاً أو نهاراً إلا وجدتك تؤدي عملك بنشاط.. حتى خيل لي أن لك توأما يحل محلك لترتاح
- قال وهو يضحك: لا.. هذا أنا.. أنام خمس ساعات، وأعمل تسعة عشر ساعة في اليوم.. وأنت تعلم أن هذا الحاجز هو أكثر حواجز المدينة حساسية وخطراً.
بالفعل كان حاجز يعقوب خطرا.. لأنه كان يقع على نقطة التقاء طريقين.. طريق مدينة بنش التي لا تبعد أكثر من كيلومترين وتقع تحت سيطرة تنظيم القاعدة، وطريق معرتمصرين الذي تأتي منه جموع المسلحين العابرين للحدود التركية.
في العشرين من آذار سنة ٢٠١٥ وردت للجيش معلومات عن حشد سبعة آلاف مقاتل من الجماعات المسلحة للهجوم على المدينة.. وهذه المرة بدت الأمور جدية بعكس مرات سابقة كثيرة روجت لشائعات مماثلة.
في مساء ذلك اليوم جلسنا انا ويعقوب عند الحاجز وتبادلنا الأحاديث.. سألته عن المعلومات التي تتحدث عن حشود المسلحين فأكد جديتها
- قلت له: و ما تقديرك انت للأمور؟
- قال: إن حالفنا الحظ فسوف نصمد أسبوعاً قبل أن تسقط المدينة
شعرت عندما سمعته بالقلق والإحباط الشديدين، فالتفت نحوي
- قال: لا تندهش.. معلوماتي تقول إنهم لن يرسلوا دعماً لنا.. وأنا أعلم أن نصف قوات الدفاع الوطني مستعدة لبيع ولائها عندما تحين الساعة.. نحن يا صديقي نستطيع صد العدو الآتي من أمامنا، أما الرصاص الذي يأتيك من الخلف فهو المشكلة.
في فجر يوم الرابع والعشرين من آذار بدأ هجوم المسلحين.. كان هجوماً عنيفاً بدعم تركي و أمريكي غير مسبوق.. سقطت آلاف القذائف على المدينة.. ودارت مواجهات شرسة على الأطراف الخارجية، ومضى اليوم والايام الثلاثة التالية على نفس المنوال.
في صباح اليوم الرابع للهجوم التقيت يعقوب للمرة الأخيرة.. كان الهدوء الحذر يسود المكان.. جلسنا أنا وهو في ظل كتلة اسمنتية تجنباً لرصاص القناصة.
- قلت له مبتسماً: يبدو أن توقعاتك لم تنجح هذه المرة.. هاهي اربع ايام تمضي و لم يحقق المسلحون اي خرق.
- قال لي وهو يعطيني سيجارة: هل ترى أين يضرب الطيران منذ يومين؟ إنه يضرب أراض زراعية خالية على بعد عدة كيلومترات من أماكن الاشتباك، رغم أن إمدادات المسلحين تعبر الطرقات المكشوفة في وضح النهار باتجاه المدينة، و لم اسمع بأن طائراتنا قصفت رتلا واحداً أو دمرت عربة للإرهابيين؟
- سألته باستغراب: وما هو المعنى من هذا؟
- قال لي: معظم المواقع التي سقطت.. حدث سقوطها عندما تدخل الطيران..حدث ذلك في الفوج ٤٦، وفي اقتحام مدينة الاتارب وفي الاستيلاء على مخازن السلاح في صدد.. وتقريباً في كل مكان وهنا.. في الوقت الذي يتدخل فيه الطيران.. سوف تسقط المدينة.. "إذا" ستكون هناك خطة للانسحاب في حال حدث ذلك.. بالتأكيد وعليك أن تنسحب في الوقت المناسب.
- و أنت!؟
عندها ضحك يعقوب بصوت عال.. أطفأ سيجارته في التراب و قال لي: أنا وعدد من الجنود قررنا عدم الانسحاب.
- قلت له: لكن في هذه الحالة سيكون هذا انتحارا و ليس تضحية.
- قال لي وقد تبدلت سحنته إلى أقصى درجات الجدية: اسمعني جيداً يا صديقي هذه المدينة تفعل بالمرء الاعاجيب.. فأنا فيها منذ ثلاث سنوات، أعلم أن معظم ساكنيها وطنيون بامتياز.. لقد اقمت معهم علاقات طيبة.. الكثيرون أصبحوا أهلاً لي مع مرور الأيام.. وغدا أو بعد غد، وعندما تسقط المدينة، لا أريد لهؤلاء وهم يغادرونها أن يصابوا بخيبة الأمل بي، أو أن يحدث أحدهم أبناءه بعد سنوات عن رجل اسمه يعقوب.. وثقوا به فخذلهم و انسحب مخافة الموت.
عند ظهيرة ذلك اليوم صدق حدس الرجل.. بدأ الطيران بضرب تخوم المدينة، وتسلل المهاجمون عبر الحدود الجنوبية الشرقية واستولوا على عدد من الأحياء.. شاهدت بنفسي كيف انحاز جزء من الدفاع الوطني لصالح العدو.. ورأيت نسوة على الشرفات ترمي عناصر الجيش بأوعية المزروعات وتزغرد لسقوط الأحياء.
خلال انسحابنا رأيت جنديا يدافع بشجاعة عن مبنى قصر العدل.. ثم يصاب في ظهره و يستمر في أطلق النار حتى أحاط به المسلحون وافرغوا رصاص حقدهم في جسده.
سلكنا طريق المسطومة التي سقطت في اليوم التالي.. ثم أريحا بعد يومين.. وخلال أسبوع بعد ذلك خرجت كامل محافظة إدلب عن سيطرة الحكومة السورية
اتجهت إلى اللاذقية و في فمي طعم المرارة و الهزيمة، و إحساس كامل بالإحباط و الخذلان.. أما يعقوب فلم أسمع عن مصيره شيئاً مؤكداً.
قال بعضهم أنه انسحب في اللحظات الأخيرة إلى قرية الفوعة الموالية للحكومة.
وقال آخرون انه استشهد مع رجاله.. وثمة قول ثالث بأنه وقع بالأسر، في كل الأحوال كان يعقوب بالنسبة لي رمزاً للشجاعة والرجولة.