معن حيدر: حدث في سورية

في أحد الأحياء الشعبية المعروفة في دمشق، حيث أسكن في قبو أحد الأبنية على الجادة الرئيسية للحي. صدف أنه منذ أعوام عديدة قرر (أبو خالد) وهو من سكان الحي أن (يبسّط) على الرصيف أمام البناية (بَسْطة) خضرة وفواكه..

وفي مطلع العام 2006 قَدِمَ إلى الحيّ شاب عراقي في مقتبل العشرينات، وهو واحد من مئات ألوف العراقيين الذين جاءوا إلى سورية وتوزّعوا في جغرافيتها كلها

أراد هذا الشاب أن (يبسّط) على الرصيف جانب أبو خالد على زاوية البناء، أدوات منزلية خفيفة من صحون وكاسات وغيرها (وتسمّى باللهجة الدمشقية: مالئي)، فطلب الأذن من أبي خالد، فقال له أبو خالد إنّ عليه أنْ يستأذنني أولًا ...

سألني الشاب بكل أدب إذا كان لديّ أيّ مانع أن (يبسّط)، وقال لي إن الجيران وافقوا، فقلتُ له: سيماهم في وجوههم، على بركة الله. وساعده أبو خالد في ترتيب البسطة والبراكين.

ولم يخبْ ظنّنا به أبدًا من حيث أخلاقه وتعامله، فأحببناه، وصرنا نساعده من خلال شراء بضاعته والترويج لها...

وهكذا استمر الحال حتى جاء شهر رمضان المبارك في شهر آب، وصدف أنني وقتها كنت (فاضي شغل) كما يقولون، فقد كنتُ موضوعًا (تحت التصرّف)، وبالتالي كان هذا أول رمضان أُمضيه في البيت بعد رمضانات كثيرة أمضيتها في العمل...

وفي أول يوم من أيام رمضان وقبل الإفطار بحوالي الساعة صعدتُ إلى الشارع لأتسلّى قليلًا، وسلّمتُ على أبي خالد الذي قال لي وهو (يضبضب) بسطته: مضى أول يوم على خير تنعاد لأمثاله إن شاء الله، اليوم يا أستاذ عوّفنا

ولاحظتُ أن الشاب العراقي (كما كنت أسميه لأني لا أعرف اسمه) لا يزال موجودًا رغم أنّه يسكنُ خارج دمشق. فسألته: ألم تتأخّر؟ فأجابني: أحضرتُ معي فطوري سأفطر هنا أستاذ، لأنهم كالولي (قالولي) أنو هون ( الرّْجْل شغّالة للسحور، وقالها حسب اللغة التجارية الدارجة)

فقلتُ له فورًا: بتفطر عنّا، نحنا متل أهلك، وكان أبو خالد قريبًا منّا فشارك معي في دعوته لبيته ... إلاّ أنه اعتذر بأدب رغم إصرارنا.. فقلتُ له: سأجلب لك شيئًا مما أعددناه لتتذوق الطبخ السوري الرمضاني، وقال أبوخالد: أستاذ مايكنلك فكر أنا بجيب فطور من البيت وبفطر معه..

وقبل الإفطار بقليل صعدتُ بصينية الأكل ووضعتها لهما، وبعد الإفطار صعدتُ بصينية الشاي وبعض الحلويات الرمضانية وجلستُ معهما وتسامرنا قليلا

واعتبارًا من اليوم الثاني وحتى آخر رمضان أصبح الإفطار على الرصيف طقسًا ممتعًا من طقوس الحي، فقد انضم إليه (السمّان) وبائع الحمّص والفول وبعض الجيران من البناية والحي، وكلّ منهم كان يأتي بما قُسِم، وكان أصوات سَمَرهم تصدح في الحي، وكنت أشاركهم بعض جلسات السمر بعد الإفطار...

ولكني أعود لأروي لكم ما حدث في اليوم الثاني من رمضان، عندما جاء الشاب العراقي باتجاهي وأنا عائد من مشوار وعلى وجهه ابتسامة خجولة، وقال لي: أستاذ أنا حابب فاتحك بموضوع، ولكن أرجوك ما تزعل مني أنت بمثابة والدي، قلتُ له: تفضّل .. قال لي: أنتو ما كصرتوا معي وأنا حابب كلكم شغلة منشان ما تنزعجوا مني إذا عرفتوها بعدين، أنتو ما تعرفون أنا مين، وتابع: أنا اسمي كاظم ويكولون لي أبو علي وأنا من... ولمعَ فورًا بذهني ما يريدُ أن يوصله لي، فقلتُ له مقاطعًا: يا أخي أبو علي .. لو كنت شو من كنت ولو كان اسمك كاظم أو عمر أو جورج أو آغوب كنّا رح نعاملك نفس المعاملة ونحبّك نفس المحبة، لأنو كمان متل ما شفتنا شفناك ومتل ما بادلتنا المحبة بادلناك .. الله يبارك فيك وبأصلك

وبعد حوالي الشهرين غادَرَنا بعد أن ودَّعَنا بحرارة إلى السويد...

وبعد عامين، وفي أحد أيام الصيف، قرع جرس الباب ففتحته فإذا بكاظم بابتسامه الخجولة جاء خصيصًا عندما عاد في زيارة لسورية ليطمأنّ علينا ويخبرنا أنه بخير