خالد العبود: وأخيراً.. ترجّل (أبو فاضل)!!
-وأخيراً.. ترجّل الفارس، واحتضنته تربةٌ خصبةٌ، طالما كان يدثّرها بصمته العالي، ورجولته التي لم تنضب، ورسالة روحٍ تفوق كبرياء قمح حوران شموخاً..
-إنّه عمّي "أبو فاضل"، "أحمد حيدر العبود"، والد الشهيد البطل "فاضل"، الذي دوّخ جرذان "الأخوان" في أزقة حيّ "الكلاسة" في حلب "سيف الدولة"، وعاصمة انتصارات الأسد!!..
-"أبو فاضل".. قامة النخوة التي تمتدّ من رأس الهمّة حتى نهاية شهقة الروح، يرحلُ على وقع انتصارات بواسل جيش الأسد، وهم يزنرون خصر الجنوب، بحبل أرواحهم، ونهور تضحياتهم التي لم تنتهِ!!..
-"أبو فاضل" الذي بلغ من الصبر دهراً، ومن اليقين عمراً، مؤمناً أنّ الأسد سوف يهزمهم جميعاً، ليس لأنّه ابن حافظ الأسد فقط، وإنّما لأنّه بشار الأسد، الذي حمل روحه فوق كفّيه شهيداً ينتصر بدمه، أو شهيداً حيّاً يرسم خرائط المنطقة، وفق ما تملي عليه بسالة إيمانه بحقّ شعبه، وأمّته، بالعيش الكريم..
-طالما حدّثتكم عنه، وهو يهمس لي، سائلاً:
"طمني عنو، شلونو، قلو ما يهمو، الله وعبادو معو"..
نعم، هو الذي وقف معنا منذ اللحظات الاولى، حاسماً أنّنا سوف ننتصر، لم يضعف، ولم يشك للحظة واحدة، أنّنا لن نأتي برايات النصر على ظهور ملائكة خيول الفجر..
-طالما كان يبعث لي:
"سلمولي على خالد.. قلولوا عمّك بسلّم عليك، وعلى الدكتور بشار"..
-منذ الساعات الأولى، حتى آخر ابتسامات الروح، كان "أبو فاضل" يمدّني بالصبر والثبات، ويؤكّد لي أنّ الأوطان لا يبنيها أو يحميها إلا أبناؤها النشامى، أمّا الزعران والجهلة والخونة والعملاء، فإلى مزبلة الحكايا البائسة واليائسة!!!..
-نعم.. ترجّل الفارس، بعد انتصارنا على سفلة الزمان، وفئران الليالي المظلمة، وسدنة معابد المال، وبعد أن ابتسم ابتسامته الاخيرة، وهو يقول: "أعدتم لنا كرامتنا يابا"!!..
-لن أبكيك، ولن أرميَ على نعشك خفقة قلبي الطريدة، ولن أودّعك وداع مكسور، أتعبه رحيل ظلّك العالي الوريف، لن أبكيك أيّها الحبيب الغالي، ولن ألقي عليك مظلّة حزني أو يباب قلبي المثقل بالقهر، وباقي عتابا ما زالت تسكن أضلاعيَ وحواري جنبات دارنا القديمة، على وقع "مهباش" جدّي "أبو حيدر"، ودعوات جدّتي: "يُمه.. الله وعليّ معك"!!!..
-لن أبكيك، "أبا فاضل"، وأنت تجمّع حكياك ودفء حضورك بيننا، وأنت تمدّ يدك الباردة، فأقبّلها على عجلِ الطمأنينة بأنّك حضرت انتصارنا، وكنتَ جزءاً منه، وكحّلت عينيك برفاق "فاضل" يطهّرون
بيادرنا، من وصمة العار التي أراد البعض حفرها على جباهنا!!..
-قف قليلاً، تمهّل قليلاً، "أبا فاضل"، كي أشهّد العالم على سرّ كنتُ قد أودعتك إياه، حين طردْنا جرذان الليل من على أسوار قرية "النعيمة"، أعيده عليك اليوم، وعلى أهل الارض، وأنت بارد الوجه واليدين، وأنت ملقى على سرير الصبر والأمان، من كان خلفه رجالٌ مثلك لا يمكن له أن يفكّر بغير الانتصار..
-سألقاك غداً، سألقاك كما وعدتك، وكما عاهدتك، ابناً لم تستطع أشباه الرجال ليّ ذراع موقفه، أو كسر إرادة صبره..
-نم بأمان، ونم بطمأنينة، نم طويلاً طويلاً، أيّها الحبيب، فخيولنا الصافنة خلف الباب، وجراحنا الباسقة، لن تمطر بغير الشهامة، وغير دروب العزّة، وصبرنا العالي العالي، لن يترك خلفه وطناً تفوح منه رائحة الذئاب، وأفاعي المذلة!!..
-نم أيها الغالي، "فعقالك" سيبقى ناصعاً فوق الرؤوس، و"مسدّسك" المثقل باليقين سوف يبقى مليئاً بالقمح، وبيادرنا التي ملأتها خيرات المجد، سوف تبقى تفيض بالرجولة والبهاء..
-نم عزيزاً "أبا فاضل"، فالنوم يليق بأحصنة النهار..
والنوم يليق بفرسانٍ نزفت حدّ الانتصار!!..