منير جبان: عن العالم أحمد زويل صهر سوريا

بعد فوزه بجائزة نوبل اتصلتُ بالسيدة الفاضلة مديحة عنبري زوجة الدكتور شاكر الفحام  و (حماة) الدكتور احمد زويل, وأعطتني رقم الدكتور احمد زويل في كاليفورنيا لأتصل به خلال برنامجي التلفزيوني على الهواء وأهنئه, وتعذّر ذلك لأن هاتفه ظل مشغولا أياما, فالهاتف يرنّ ليل نهار يطلبونه من كل أنحاء العالم بإذاعاته وتلفزيوناته وصحفه ومجلاته, كلهم يريدون كلمة منه, ولم يعد الأمر لي سبقا تلفزيونيا أسعى إليه.

فوعدتني السيدة عنبري أن ترتّب لي لقاء معه حين يزور دمشق, وقالت أنه يزور عادة أسرة زوجته الدكتورة ديما  في دمشق بشكل مفاجئ, ويحب ان تكون زيارته عائلية هادئة بعيدا عن الأضواء, ولا يكاد يعلم بزيارته  أحد, وحتى هم لايعرفون بوصوله إلا عندما يرنّ جرس الباب, فتفاجئهم ابنتهم ديما وزوجها احمد زويل, فقلت لها في هذه الحالة سنسبب للدكتور زويل ضيقا فالاتصالات ستزخّ عليه كالمطر وأحترم خصوصية زيارته, ولا أحب أن أفسد عليه استراحته العائلية؛ وحدثتني عنه وكم هو زوج رائع وصهر محبب, فهو يتصل بهم ويسال عنهم بشكل دائم ويحترم ويقدٌر كثيرا (عمّه) الدكتور شاكر كثيرا، ثم حدثتني عن قصة زواجه من ابنتهم الطبيبة ديما وكيف كانت صدفة سعيدة لكليهما.

الدكتورة ديما تنتسب من أمها وأبيها الى اسرتين خرج منهما أعلام في الأدب والثقافة والتدريس والطب والقانون, وهي ابنة واحد من أعلام السوريين والمربين الكبار علما وثقافة وتاريخا, تشهد له كل المفاصل العلمية والتربوية واللغوية والموسوعية الرفيعة في الدولة والتي تسلّمها وقادها بنجاح، قلتُ صدفة لأن الدكتور شاكر الفحام كان مدعوا الى الرياض لاستلام جائزة الملك فيصل في الآداب وكان الدكتور زويل مدعوا أيضا لاستلام جائزته في العلوم ولم يكن قد حصل على جائزة نوبل بعد, وأحَبَّ الدكتور الفحام أن ترافقه ابنته لتحضر الحفل, وفي بهو الفندق الذي كان يستضيف الضيوف لمح الدكتور زويل ابنة الدكتور الفحام فخفق قلبه, أليس هذا هو الحب من أول نظرة؟

وفي اليوم التالي التقى الدكتور زويل بالدكتور الفحام على انفراد, وتحدثا عن سورية ومصر وعن ذكريات الدكتور الفحام في دراسته الجامعية في مصر, وكيف سافر الى مصر موفدا من وزارة التربية في سوريا لدراسة الرياضيات في جامعة القاهرة والتي حصل منها على الإجازة اولا ثم الماجستير والدكتوراه في الإداب واللغة العربية, فقد تم اختياره لدراسة الرياضيات لانه كان من المبرزين في العلوم وفي الرياضيات بشكل خاص مع ان ميوله أدبية, وفي القاهرة غلب حبّ الأدب والشعر واللغة العربية تفّوقه في المعادلات والمتراجحات والمثلثات والمربعات, فقرر تغيير منحى الدراسة وانتقل من كلية العلوم الى كلية الآداب، في هذا اللقاء المنفرد التفت الدكتور زويل الى الدكتور الفحام وسأله هل تستقبلني في دمشق؟ قال له اهلًا وسهلا بلدك الثاني, قال يشرفني أن أحضر الى دمشق في زيارة عائلية وأطلب يد كريمتكم ديما اذا وافقتْ هي أن أكون زوجا لها وأنتم قبلتم بي أن أكون صهرا لكم؛ وهكذا كان وتم الزواج في حفل عائلي ورافقته الى امريكا. 

كانت السيدة ديما كما عرفتُ من والدتها الزوجة المتفهمة الواعية المعطاءة التي تقف الى جانب زوجها توفر له الحياة الاسرية السعيدة, وكان دائما يقول لكل من يسأله أن زوجته ديما كانت الدافع والملهم والمشجع الذي مكّنه الوصول الى نوبل. ويومها كتبتُ مقالا قلت فيه ان نصف الجائزة من نصيب سورية.الفحام شاكر1

فوز أحمد زويل  لوحده بجائزة نوبل في الكيمياء سنة ١٩٩٩, فغالبا ما تُمنح مناصفة بين اثنين، لم يكن صدفة, لكنّ زواجه كان أحلى صدفة في حياته كما قال لاحقا فقد  كانت السيدة ديما الفحام زويل امراة عظيمة تؤكد أن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة.

وعندما يغيب اليوم الدكتور زويل عن عالمنا فمثله  وغيره ممن احترفوا مهنة صنع اكتشاف المجهول ليَعْلَمَ الانسان اكثر عن عالمه الذي يعيش فيه ويسخّر هذه المعرفة لخيره وسلامه وسلامته, فغيابه كغياب الشمس نظنه غيابا, لكنه غياب ليلة عن نصف الارض وإشراق  نهار على نصفه الآخر كل ليلة وكل نهار.