إحسان عبيد: رامز
يندر أن تخلو جمهرة المتجمعين يومياً عند موقف الباص من وجود (رامز).
.
إنه يحب أن يقف هناك صباح كل يوم، لا ليسافر، ولكن لسبب أجهله، وربما يجهل ذلك رامز نفسه.. وفي المساء يتجمع الأهلون لملاقاة ما شيتهم عند البركة الجنوبية. فيكون رامز معهم. ولا تخلو مناسبة ذات حشد بشري من فرح أو جنازة أو اجتماع إلا ويكون رامز هناك.
إنه ينشق أخبار التجمعات بحاسة لا تخطئ. والأغرب من ذلك أنه لا يبادر بأي حديث.. لكنه إذا سئل، فقد يجيب أو لا يجيب. لقد قيل عنه: أنه مجنون منذ الولادة، وقيل: أنه لا يعاني من أي جنون ولكنه يجدبها أحيانا. وقيل: أنه سقط عن الفرس وهو صغير فأصيب بارتجاج في الدماغ، فيحضر ويغيب ويستوعب ولا يستوعب، وبناء على ذلك أعفي من الخدمة الإلزامية العسكرية لعدم لياقته. ولا يجد أحد حرجاً في التحدث أمامه بأكثر المواضيع سرية لأن الناس يتعاملون معه تعاملهم مع قاصر أو متخلف عقلياً.
.
دائماً يقف رامز بثياب غير مهندمة، أحياناً يلبس قميصاً مزرراً بأزرار ليست في مكانها الصحيح، وحزاماً لسرواله كان بالأصل مقوداً مقطوعا لدابّتهم، وغالباً ما يفيض لعابه خارج فمه، ولحيته النابتة موزعة بشكل غير متناسب، فهي خفيفة الكسوة جرداء في أماكن، وشبه جرداء في أماكن أخرى، وعيونه تبدو محمرة بفعل التهابات ما.
.
إذا ما حدثّته، لا ينظر إليك مباشرة بل تراه يميل ببصره يمنةً أو يسرةً، أو ينظر إلى أسفل ثم يعطيك إجابة لم تخطر لك على بال، وباللهجة البدوية. لكن الصفة الملازمة له أنه دائم الابتسام والضحك الخافت بلا سبب، لكأنما يرتمي في أعماقه مهرجان دائم.
.
امتهن رعاية السخال والخراف التي يملكها أبوه، وكان يرافقه في الرعي أخوه الأصغر منه ربما بحوالي 10 سنين.. وطبيعي أن الصغير أصبح مع مرور الأيام مثل أخيه الكبير يقوم بذات الحركات وطريقة الكلام، حتى أنه أصبح يتحدث باللهجة البدوية مثل رامز.
.
كان الطقس ربيعيا، وبناء على تخطيط مسبق، جلب رامز معه كيسا أبا قلمٍ أحمر، ووضعا فيه حوالي ثلثه من طرابين نبات العطّور (نبات شوكي له ساق وبرأسه ثمرة مغطاة بالشوك القاسي ويتراوح حجمها بين حبة الجوز وحبة البرتقال، وبعد نزع الشوك عنها تحصل على اللب الداخلي الذي يشبه ثمرة الأرضي شوكي أو الأنكينار) على أن يتسليا بتقشيره في البيت.
.
في طريق العودة، كان رامز وأخوه يحملان الكيس بينهما ويداريان الشوك الخارج من جسد الكيس مثل الإبر، ووصلا إلى طريق الاسفلت المؤدي إلى القرية.. أحدهما يمسك زاوية الكعب، والثاني يمسك الباب المربوط بخيط مصيص..
.
لحق بهما رجل يركب حمارا يكرج بسرعة.. فطلب منه رامز أن يضع الكيس أمامه على ظهر الحمار، فقال الرجل: تكرم عينك شيخ رامز، هات بسرعة أنا مستعجل ومعزوم عالغداء، ولم يكن الرجل يدري ما بداخل الكيس.. فرجع إلى الوراء تاركا مساحة لموضع الكيس أمامه.. فرفع رامز وأخوه الكيس من فوق رأس الحمار ووضعاه على كتفي الحمار أمام الرجل.
.
فورا دخلت رؤوس شوك العطّور بجلد الحمار، فبدا وكأنه أصيب بمس من الجنون.. نطنطة لفوق لتحت وملابطة تشبه أولئك الذين يركبون على الثيران أو على الخيول البرية في السينما.. والرجل لا حيلة له إلا الصياح على حماره: هيش هيش يا سايب شو صارلك.. لم يستغرق المشهد سوى أقل من دقيقة حتى طقع الرجل والكيس على الإسفلت، وجاء ورك الرجل على الزفت، وصدره ويداه فوق الكيس...
الحمار من جهته شنهق وقيقب على وجهه والجلا خوفا من إعادة المحاولة.. ورامز وأخوه يتفرجان على الرجل الذي جلس يتعصر ويلوّح بيديه من ألم الشوك، ويتحسس وركه إذا كان مكسورا.. قال له رامز ليش وقعت مش عيب عليك؟.. نظر إليه الرجل وقال : ولاه أخوث الكلاب مش الحق عليك.. صحيح جدي بيلعب بعقل تيس.. لو الناس بتحمدني عليك لطبشت رأسك بالحجار.. قال رامز: أخس عليك ..أنت بس شاطر تدخل بالحزب وترافق رئيس المخفر، وما فيك تصمد على ظهر حمار.. هون الزلم بتبيّن.. روح تغدى لشوفك.
.
مرّ راكب دراجة نارية من أهل القرية، وأردف خلفه الفارس الطريح حاملا إياه إلى بيته.. لم يسأل عن الحمار لأن مصيره أن يعود إلى الدار.. قالت له زوجته: معقول أخوث يضحك عليك؟.. ذهب إلى الغداء يزكح، وجميع من حضر ضحك عليه عندما علموا القصة.