الدكتور عزت الطرابلسي أول حاكم لمصرف سورية المركزي

عزت الطرابلسي 1913 - 2000
ولد عزت طرابلسي في دمشق عام 1913درس الثانوية في مكتب عنبر في دمشق، وفي العام 1930 دخل كلية الحقوق في دمشق، وتخرج منها ثم انتقل إلى باريس للحصول على دكتوراه في القانون والعلوم السياسية في باريس.
عاد إلى دمشق ليمارس المحاماة ويعمل مدرّساً في جامعة دمشق، وفي عام 1939 عمل قاضياً في المحكمة العقارية في دمشق "محكمة الأملاك العقارية"، ثم انتقل للعمل في وزارة المالية عام 1947 مديراً للدخل والموارد العامة، وتولّى منصب مدير عام ميناء اللاذقية عام 1950، ثم مدير عام الجمارك بعد عامين، ثم عُيّن الأمين العام لوزارة المالية.
قال عنه خالد بيك العظم في مذكراته الجزء الثاني الصفحة 124:
"بادرنا إلى تسمية رئيس وأعضاء مجلس إدارة مرفأ اللاذقية، فاخترنا السيد عزت طرابلسي للرئاسة، وهو من خيرة الشبان الذين درسوا في فرنسا وحازوا الدكتوراه في العلوم المالية، وقد أظهر في وزارة المالية مقدرةً فائقة ونشاطاً وفيراً ونزاهة مشكورة، فقد رغبنا في أن يكون أعضاء المجلس من البارزين في حقلي التجارة والصناعة في سوريا".
كما قال عنه في الجزء الأول صفحة 267:
"الحقيقة الواجب إعلانها أن وزارة المالية كانت محظوظة بأمنائها العامين المتعاقبين السادة حسن جبارة، هنري رعد، وعزت الطرابلسي، سواء في تخصصهم وعملهم ومرانهم وحسن إدارتهم، أو في طهارة يدهم واستبسالهم في الدفاع عن مصلحة الخزينة العامة لحد قد يوصف، في بعض الظروف بالإمساك والتقتير".
عام 1949 توجه الطرابلسي إلى جدة لبحثٍ قرضٍ من المملكة العربية السعودية بقيمة 20 مليون دولار، وقد كان عراب الاتفاقية الاقتصادية التي وقعها معروف الدواليبي وزير الاقتصاد السوري وعبد الله السليمان وزير المالية في المملكة عام 1950.
شغل منصب أول حاكم لمصرف سورية المركزي عام 1955، قال طرابلسي في محاضرة ألقاها بالجامعة الأميركية في بيروت عن تأسيس البنك المركزي ومهامه: حرص المشرّع فعلاً أن يجعل من مجلس النقد والتسليف سلطة نقدية حقيقية تتمتع بأوسع الصلاحيات في ممارسة الوظائف النقدية، وأضاف عن الوظائف الرئيسية لمصرف سورية المركزي:
1. إصدار النقد الوطني: وهذا الامتياز بمحصور بالمصرف المركزي فقط وذلك لحساب الدولة مما يجعله المؤسسة المالية الوحيدة القادرة على إدارة التداول النقدي بكامله من الناحية المادية، وهو يقوم بذلك بما يلّبي احتياجات تطور الاقتصاد الوطني.
2. المصرف المركزي مصرف المصارف: وذلك بموجب أحكام نظام النقد الأساسي، حيث يقوم المصرف بإعادة الخصم للسفاتج والأسناد التجارية وشرائها والتخلي عنها ومنح القروض والسلف باعتباره المقرض الأخير للمصارف، وتجري هذه العمليات عن طريق المصارف فالمصرف المركزي لا يتعامل مع الأفراد بصورة مباشرة، وهو الذي يقوم بمراقبة تنفيذ السياسة التسليفية وتقدير مدى تناسبها مع متطلبات الاقتصاد القومي.
3. إصدار الأسناد الوطنية العامة والمساهمة في المفاوضات الدولية المالية: فهو يصدر الأسناد الوطنية العامة لمختلف الآجال ويقوم بإجراء عمليات التبديل والتسديد وسائر الأعمال المالية المتعلقة بالقروض التي تصدرها الدولة أو تكفلها، كما يساهم في المفاوضات والاتفاقات الدولية للمدفوعات والقطع والتقاص ويعقد جميع الاتفاقات التطبيقية الضرورية لتنفيذها، ويساهم في مفاوضات القروض والاستقراضات الخارجية المعقودة لحساب الدولة ويمثلها في المفاوضات المذكورة في مجالات التعاون النقدي الدولي.
4. الاحتياطي الإجباري للمصارف: يُجبِر المصرف المركزي المصارف الأخرى بتوظيف الاحتياطي الإجباري والاحتياطي الخاص المشكل من قِبلها بسندات صادرة عن الدولة أو مضمونة من قبلها، أو بتوظيف نسبة من وفرها النقدي في سندات الدين العام وتوظيف جزء من ودائعها في سندات الدولة.
5. القيام بمهام مصرف الدولة والوكيل المالي لها: يتـولى المصرف المركزي القيام بوظائف مصرف الدولة وأمين صندوقها ووكيلها المالي داخل الأراضي السورية وخارجها في جميع العمليات المصرفية وعمليات الصندوق والتسليف العائدة للدولة.
6. الدور الإشرافي لمصرف سورية المركزي: حيث يقوم المصرف بالإشراف على المصارف العامة والخاصة العاملة في سورية وذلك من خلال مفوضية الحكومة لدى المصارف.
وعن العلاقة بين الحكومة ومجلس النقد والبنك يقول: أن هذا الأسلوب المزيج المتزّن في إدارة المصرف المركزي يحفظ في الواقع للسلطة العامة حق التدخّل في سبيل المصلحة العامة، ويؤمّن للسلطة النقدية حريتها وتجرّدها واختصاصها في معالجة الشؤون النقدية، ولكن نجاحه منوط باحترام استقلال السلطة النقدية، واقتناع السلطات العامة بضرورة هذا الاستقلال لنجاح مهمتها، ومن جهة ثانية بقيام تعاون مستمر بين السلطة العامة والسلطة النقدية، وهذان الأمران يحتاجان في بلادنا إلى أناة ومرونة وجهد دائب.
بقي الطرابلسي في منصبه بعد الوحدة مع مصر وعمل جاهداً على الحفاظ على مستوى ثابت للنقد السوري، وأيد تمويل مصرف سورية المركزي لكافة المشاريع الإنتاجية، إلا أنه استقال عام 1961 نظراً لحرصه على المصالح المالية السورية ومعارضته للسياسات الاقتصادية لجمال عبد الناصر التي أضنت سوريا بين عامي 1958 - 1961م فخلال إحدى الاجتماعات مع وزير الاقتصاد المصري عبد المنعم القيسوني أيام الوحدة.. كان القيسوني يوصي بالإنفاق على تنفيذ المشروعات بما يفوق الإيرادات الأمر الذي سيؤدي إلى عجز، بينما طرابلسي رفض هذه الفكرة شارحاً مساوئها، وأصر على موقفه لدرجة أنه قدم استقالته حين لم يتم الأخذ برأيه.
وعندما أراد الرئيس ناظم القدسي تسليم السلطة المالية لمحايد، أُوكل إلى طرابلسي إعادة تهيئة الاقتصاد في البلاد، وعُيّن في عام 1962 وزيراً للاقتصاد الوطني في حكومة رئيس الوزراء خالد العظم. وفي شباط من عام 1963، أصبح طرابلسي وزيراً للمالية أيضاً. وكان عضواً في لجنة شكّلها الرئيس القدسي لدراسة آثار الإصلاح الاقتصادي وآثار فترة الوحدة على الاقتصاد السوري، وكانت مهمته التعامل مع الاقتصاد السوري الذي أصبح يعتمد على القطاع العام أكثر من الخاص.
ثم أصبح مديراً عاماً لمصرف بلوم، إلى أن وافته المنية في بيروت عام 2000م..
ألّف عدّة كتب حتى وفاته في عام 2000، وتضمّنت أعماله " الزراعة في سورية" بالفرنسية، و"الخطوط الكبرى للسياسة الاقتصادية والاجتماعية في سورية "، ودراسات في "المالية العامة، الموارد العامة، الضرائب، القروض" بالاشتراك مع الوزير السوري السابق عوض بركات، شمل فيه نظرته السياسية والاقتصادية في سورية.
لم يستطع رحمه الله إكمال ما كان يخطط له لانعاش الاقتصاد السوري بسبب انقلاب ٨ آذار ١٩٦٣.
كم نحن بحاجة الان لمثله. افتقدناه تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه وعوض سورية خيرا.

[الختيار]

سائليني يا شآم