قصة بناء أول مسجد في مدينة السويداء
كتبت حفيدة المرحوم عبد الكريم رعد
جدي"عبد الكريم رعد" كان من أكبر أهل السنّة عمراً (في نهاية خمسينيات القرن الماضي) القليلة أعدادهم والقاطنين في مدينة السويداء“الدرزية" فهؤلاء عائلات أتت لسبب أو أخر.
غالبيتهم موظفين دولة (أكانت عثمانية أوفرنسية) فوالد جدي من القصير في حمص وجاء مع “العصملي” كضابط شرطة؛ وتوفي بالسويداء وبقيت عائلته هناك مثلهم مثل عائلات نصّار ولحام وغيرهم.
لبست النساء الزي “الدرازي” ونطق جميعهم اللهجة الدرزية؛
وكانوا يعاملون كما غيرهم وفتح أهالي السويداء قلوبهم وبيوتهم لهذه الأقلية “السنّية” وتبادلوا التهاني في الأعياد وكانت عادة سلطان باشا أن يزور بيت جدي في عيد الفطر مهنئاً، وجدي يزور الباشا بعيد الضحية “الكبير”.
حارب شباب “السنّة” مع الباشا في الثورة السورية الكبرى ومنهم جدي في معركة المزرعة، واغتنموا مجنزرة فرنسية أحرقوها لعتب جدتي ع جدي لأنه لم يستخدمها “للحراثة”.
عندما تقاعد جدي ومعه بعض رجال “الأقلية السنية” بدأوا يتكلمون عن بناء مسجد صغير “يأويهم” ليصلوا به آخر أعمارهم وأيضاً ليكون مكان للصلاة على أموات السنّة”و وقفا للأقلية السنية“السويدائية” أبا عن جد.
طبعا لابد من مراعات مشاعر أهل الأغلبية الدرزية فقرروا بناء غرفة ببيت أحدهم ليكون كمسجد، ثرثرة النساء أوصلت القصة "ل عبدالغفار الأطرش" (وزير الدفاع مابعد الإستقلال) وأولاده يوسف وحسن فهرعوا واستشاروا ثم جاؤوا إلى جدي وقالوا له: ”ياأبو غازي مابتبنوا مسجد ببيوتكم،
فوجىء جدي وبقية الأقلية السنّية بهذا الموقف، وتركوا لشباب بيت الأطرش أن يحددوا المكان.
رفض أبناء الأطرش الا أن يكون المسجد بوسط السويداء وبجانب المحافظة في قلب مدينة السويداء وقبالة كراجها الوحيد، ثم صوتوا في البلدية ع منح الأرض كوقف للسنّة ليبنوا عليها مسجدهم.
طبعاً جدي واللجنة المسؤولة تعرف أن عدد السنّة لايزيد عن خمسين عائلة فصمموا مسجداً صغيراً، ولكن الدروز أصروا أن تكون الأرض كبيرة حتى إذا كبرت الجالية السنّية أن يستطيعوا أن يكبروا المسجد.
مراعاة لوضع الأقلية السنية كونها أقلية ولعدم وجود أموال وفيرة حين ذاك قررت اللجنة أن لاتبني مئذنة بل وكما ع عهد سيدنا محمد أن يكون المنبر هو المكان الذي تنادى به للصلاة طبعاً كان شباب الأطرش يمرون ويرون مراحل العمار حتى استغربوا أن المسجد لم يأخذ بالإعتبار أساسات المئذنة،
فزاروا جدي والذي هو مسؤول لجنة بناء المسجد وسألوه إذا كان هو يحتاج أي شيء لإكمال المسجد؟
فشكرهم جدي وقال لا الحمد لله كل شي ع مايرام.
لم يقتنع الشباب بماقاله جدي واعتقدوا ربما أن الأموال التي جمعتها اللجنة قد نفذت فكان أن زار "حسن باشا الأطرش" وجدّ الأمير "شبلي الاطرش" والصديق الشخصي لي وعرض بإسمه وإسم الباشا أن يقدموا ماينقص اذا كان هناك نقص،
طبعاً وبكل الدبلوماسية المعروفة عن أمراء بيت الأطرش.
"هذه القصة حصلت في خمسينيات القرن الماضي"
وفيها نرى كيف كانت سورية، وأهل سورية بتسامحها ووسع صدرها لكل أبنائها، عندما كانت المحبة والتسامح والتعاون هو السائد، وعندما كان يقود ثورة سورية الكبرى درزي، ويرأس وزرائها بنفوذ حقيقي مسيحي.
أين ذاك الزمان منا؟!
عندما أراد بعض المواطنين المسيحيين في مدينة السويداء بناء كنيسة بجوار قطعة أرض تعود لسلطان باشا الأطرش،
ذهب سلطان باشا إلى الأب المسؤول عن بناء الكنيسة و قال له: ياأبونا الكنيسة صغيرة كبروها من ناحية أرضي فأجابه الأب: ياسلطان باشا المساحة تكفي بالنسبة لعدد المؤمنيين في القرية.
فقال له سلطان باشا: نحن نريد كنيسة تتسع لجميع أبناء القرية وليس فقط للمسيحيين. "هكذا كانت سوريا".