مشروع تحويل العلويين الى قرباط
ريتا خير بك
مشروع تحويل العلويين الى قرباط: بلا ارض بلا ذاكرة وبلا حق حتى في السؤال! اي نعم قرباط مع احترامي الشديد وحبي لجميع قرباط العالم
اسمع عزيزي هذا النص ليس لمن يريد جوابا مريحا او اقليم غدا صباحا وهو يحتسي المتة وينتظر الاسد ، ولا لمن يعتبر التفكير ترفا خطيرا، ولا لمن وجد الحل العبقري للمشكلة كلها في جملة من مستوى “منتأسلم ومنخلص” وبتحجب بناتنا ونبعت ولادنا ع الجوامع
اذا كانت هذه هي حدود الخيال السياسي والوجودي عندك، فالمشكلة ليست في الهوية العلوية، بل في انك سلمت عقلك وروحك قبل ان يسلم منك اي شيء آخر.
من المدهش فعلا ان يواجه انسان سؤالا عن الارض والذاكرة واللغة والتحول السكاني والسلطة والهوية، ثم يجيبك بثقة مذهلة: نحن الاسلام الحقيقي.
جميل جدا.
هناك مليار مسلم تقريبا ينتظرون حضرتك كي تبلغهم انهم كانوا على خطأ منذ قرون وانك الوحيد في هذا الفضاء الاسلامي الذي تمتلك الحقيقة والإسلام والنبي والقران !
هذه ليست شجاعة دينية هذه طريقة بدائية للهروب من السؤال الحقيقي.
لان السؤال ليس: هل اسلامك صحيح؟ السؤال: ماذا يبقى منك حين تصبح كل قدرتك على تعريف نفسك معلقة باعتراف هوية اوسع بك؟ وب صدقة ممن ينتظرن ذبحك ؟
نحن نتكلم ليلا نهارا عن هوية مستقلة لاننا نفهم ان الجماعة التي لا تملك اسما مستقلا وذاكرة مستقلة وسردية مستقلة وعلاقة واضحة بارضها، تصبح مادة خام سهلة لاعادة التشكيل، ثم يأتيك احدهم بكل براءة فكرية او غباء ويسأل: وما فائدة هذا الكلام؟
فائدته يا شريب المتة انك لن تستيقظ يوما لتجد الارض قد اختفت من تحتك بطريقة سحرية.
الارض تسرق على مراحل. اولا يقنعونك ان الحديث عنها طائفية. ثم يقنعونك ان ارتباط جماعتك التاريخي بها مجرد وهم. ثم يصبح انتقال الملكية امرا فرديا لا علاقة له بالبنية السكانية.
ثم يصبح تغير المدن والقرى “طبيعيا”.
ثم حين تعترض او تحاول الكلام يقال لك: وما المشكلة؟ كلنا مسلمون.
وهكذا تؤخذ منك الارض باسم الاخوة.
بهدوء. وبجملة لطيفة جدا ويبدا التغيير !
والاطفال ايضا لا “يسرقون” دائما بالخطف.
يكفي ان يكبر الطفل وهو يتعلم ان اسم جماعته عبء، وان لهجته شيء ريفي مضحك، وان عيده خرافة، وان ذاكرة اهله طائفية، وان الدفاع عن خصوصيته عيب، وان الشيء الوحيد المحترم فيه هو الجزء الذي يشبه الآخرين.
بعد جيلين لن تحتاج الى من يمحو هويته. سيقوم هو بالمهمة بنفسه، وسيعتذر لك ايضا لانه تأخر.
هذه هي العبقرية الحقيقية في محو الجماعات: لا تمنعها من الكلام، بل اجعل كلامها عن نفسها مخجلا؛ لا تنتزع منها اسمها بالقوة، بل اجعل ابناءها يعتقدون ان التخلي عنه دليل رقي؛ لا تقل لهم اخرجوا من ارضكم، بل اقنعهم اولا بان لا معنى اخلاقيا لعبارة “ارضنا التاريخية”.
وعندما تنجح في ذلك، تصبح كل خطوة بعدها مجرد اجراء اداري.
لهذا فالعلوية النصيرية بالنسبة لنا نحن الذين نتكلم ليست مجرد جواب عن سؤال مذهبي، والنصيرية ليست مجرد مجموعة نصوص عقائدية نختلف حول تفسيرها.
نحن امام جماعة تاريخية لها جغرافيا ولهجة واعياد وطقوس وذاكرة وقرى ومقابر واسماء اماكن وعلاقات قرابة ومخيال جماعي وطرق خاصة في تذكر نفسها.
هذه ليست زينة ثقافية.هذه هي المادة التي يصنع منها شعب.
ومن هنا تحديدا يبدأ الرعب عند من يريدك مجرد “طائفة صغيرة” داخل تعريف اكبر: لان الطائفة يمكن ان يقال لها عودي الى بيتك العقائدي وانتهى الامر، اما الجماعة صاحبة الارض والذاكرة فلا يمكن اختصارها بفتوى.
ولهذا ايضا افهم جيدا لماذا يزعج البعض كلام الهوية المستقلة.
لانه يلزمهم بالتفكير. والتفكير مؤلم جدا لمن اعتاد التسليم.
اسهل بكثير ان تقول “نحن الاسلام الحقيقي” من ان تسأل: ماذا لو كانت المشكلة ليست في صحة عقيدتي اصلا؟
اسهل بكثير ان تقول “منتأسلم ومنخلص” من ان تواجه السؤال القبيح: ماذا لو كان المطلوب مني بالضبط ان اتخلى عن كل ما يجعلني جماعة مستقلة، ثم اشكر الجميع لانهم سمحوا لي بالبقاء فردا بلا ذاكرة؟
المسألة ليست معركة ضد الاسلام ولا ضد المسلمين.
المسألة ابسط واشد خطرا: هل يملك العلوي الحق في ان يعرف نفسه خارج التعريف الذي يضعه له الآخرون؟
هل يملك الحق في ان يقول ان له ذاكرة خاصة؟ هل يملك الحق في حماية وجوده الجغرافي؟
هل يملك الحق في تعليم اطفاله انهم ليسوا خطأ تاريخيا يحتاج الى التصحيح؟
اذا كانت اجابتك لا، فلا داعي لكل هذا النقاش. قل مباشرة انك تريد جماعة بلا اسم، وبلا ارض، وبلا ذاكرة، وبلا لغة تدافع بها عن نفسها.
قل انك تريدها قرباطا سياسيا: شعبا يتحرك فوق ارض الآخرين، ولا يجرؤ حتى ان يسأل اين كانت ارضه.
وعندها فقط تصبح جملة “منتأسلم ومنخلص” كاملة المعنى.
لانك فعلا تكون قد خلصت.ليس من المشكلة. بل من نفسك.