حين تسبق الجماعة عقيدتها.. في البنية العميقة للتماسك العلوي
نضال كامل
عندما يُطرح سؤال الرابطة التي حافظت على تماسك العلويين عبر التاريخ، تتجه الإجابة غالباً إلى الدين، انطلاقاً من تعريفهم بوصفهم جماعة عقدية ذات هوية خاصه. غير أن هذا التفسير، على وجاهته الظاهرية، لا يكفي لفهم البنية الفعلية للمجتمع العلوي، ولا يفسر قدرته على الاحتفاظ بتماسكه رغم التباعد الواسع بين أفراده في الدين والسياسة والثقافة.
فلو كانت العقيدة هي القوة الأولى والحاسمة في إنتاج هذا التماسك، لأدّى ضعف المعرفة الدينية لدى قطاعات واسعة، أو الابتعاد عن التعاليم، أو تبنّي رؤى علمانية ويسارية وقومية وليبرالية، إلى تصدّع الجماعة أو خروج أصحاب هذه الاتجاهات منها. لكن ما حدث تاريخياً هو العكس تقريباً: فقد بقي الانتماء الاجتماعي قائماً حتى لدى من ضعفت صلته بالدين، أو تحولت العلوية لديه من عقيدة إلى ذاكرة ثقافية أو هوية اجتماعية.
تكشف هذه المفارقة أن ما ربط العلويين لم يكن عنصراً واحداً، بل مجموعة قوى متفاوتة الفاعلية. تأتي في مقدمتها البنية الاجتماعية القائمة على القرابة والمصاهرة والمكان والذاكرة والعادات؛ يليها التهديد الوجودي الذي أسهم في إنتاج شعور متجدد بوحدة المصير؛ ثم يأتي الرابط الديني، بوصفه إطاراً رمزياً وتعريفياً للجماعة أكثر منه معرفةً عقدية مشتركة بين جميع أفرادها.
المجتمع قبل العقيدة
لا تتكون الجماعات لأن أفرادها يتفقون أولاً على منظومة أفكار، ثم يقررون العيش معاً. في الغالب يحدث العكس: يعيش الناس زمناً طويلاً داخل شبكات من القرابة والتعاون والمصلحة والذاكرة، ثم يطورون لاحقاً خطاباً يفسر هذا الاجتماع ويمنحه اسماً ومعنى.
ومن منظور علم اجتماع الجماعات، لا تقاس قوة الرابطة فقط بوضوح الأفكار التي تحملها، بل بكثافة العلاقات التي تصل الأفراد بعضهم ببعض، وبعدد الوظائف التي تؤديها العلاقة الواحدة. فالقريب ليس قريباً بالدم فقط، بل قد يكون جاراً وشريكاً في العمل وصهراً ووسيطاً في النزاع ومصدراً للحماية والمساعدة. وحين تتعدد وظائف العلاقة على هذا النحو، يصبح الفرد مرتبطاً بالجماعة عبر مسالك كثيرة، لا من خلال الاعتقاد وحده.
تشكّل المجتمع العلوي تاريخياً في بيئات ريفية وجبلية عانت الفقر والعزلة وضعف الدولة وبعد المراكز الحضرية. وفي مثل هذه الظروف، تحولت الأسرة الممتدة والقرية والعشيرة إلى مؤسسات اجتماعية تؤدي وظائف الحماية والضمان وتنظيم العمل وتسوية النزاعات. ولم تكن القرابة مجرد حقيقة نسب، بل شبكة عملية لمواجهة شروط الحياة.
أدّت المصاهرة داخل الجماعة دوراً مركزياً في توسيع هذه الشبكة وإعادة إنتاجها. فالزواج لم يكن صلة بين فردين فقط، بل رابطة بين عائلتين، تضيف إلى المجتمع خطوطاً جديدة من الثقة والالتزام والواجب المتبادل. ومع تتابع الأجيال، أصبحت العائلات متشابكة إلى درجة يصعب معها فصل الانتماء الفردي عن البنية الاجتماعية التي تحتضنه.
لذلك كان العلوي يعرف موقعه الاجتماعي قبل أن يمتلك تصوراً متكاملاً عن عقيدته. يعرف نفسه من خلال أسرته وقريته وأقاربه والمكان الذي خرج منه، قبل أن يعرف التفاصيل الفلسفية والدينية للعلوية. إنه ينتمي أولاً إلى حياة مشتركة، ثم يبحث، بدرجات متفاوتة، عن المعنى الديني لهذا الانتماء.
ويفسر ذلك استمرار الهوية لدى من ابتعدوا عن الإيمان التقليدي. فالأفكار قابلة للتغير، أما الموقع داخل شبكة القرابة والذاكرة والمصاهرة فلا يتغير بالسهولة نفسها. يستطيع الفرد أن يرفض تفسيراً دينياً، أو يتبنى أيديولوجيا مخالفة، لكنه لا يستطيع إلغاء تاريخ عائلته أو محو موقعه داخل جماعة تشكلت علاقاته الأولى في فضائها.
ولم تكن الذاكرة الجمعية منفصلة عن هذه البنية، بل كانت أحد وسائل تثبيتها. فقد حملت القرى والجبال والبيوت والمقابر وأسماء العائلات قصصاً عن الفقر والعزلة والخوف والعمل والبقاء. ومن خلال هذه الذاكرة لم يشعر الفرد فقط بأنه يعيش بين جماعة حاضرة، بل بأنه امتداد لتجربة أقدم منه.
هكذا أصبحت الهوية الاجتماعية أوسع من المعرفة الدينية. فمن لم يعرف النصوص عرف الحكايات، ومن لم يدرك البنية اللاهوتية أدرك الحدود الاجتماعية، ومن لم يمتلك تعريفاً فلسفياً للعلوية عرف مع ذلك أين يقف داخل الجماعة وكيف ينظر الآخر إليه.
التهديد ووحدة المصير
تأتي القوة الثانية في بناء التماسك من تاريخ طويل من النبذ والتكفير والعزل والاضطهاد. ويمكن وصف الرابطة التي ينتجها هذا التاريخ بأنها تضامن يتكون تحت الضغط؛ إذ قد لا يتفق أفراد الجماعة على تعريف موحد لأنفسهم، لكنهم يتقاربون عندما يتعامل الخارج معهم باعتبارهم كتلة واحدة.
في هذه الحالة يسهم الآخر في إنتاج وحدة الجماعة بقدر ما تنتجها هي من داخلها. فحين لا يميز التهديد بين المتدين والعلماني، أو بين المحافظ واليساري، تصبح الفروق الداخلية أقل أهمية من المصير الذي يفرضه التصنيف الخارجي.
ولهذا لا يقوم التماسك فقط على سؤال: «ماذا نؤمن؟»، بل أيضاً على سؤال: «ما الذي قد يصيبنا معاً؟». قد يبتعد الفرد فكرياً عن الدين، لكنه يعود إلى الشعور بانتمائه الجمعي حين يُعامل من الخارج انطلاقاً من أصله العلوي. فالتهديد لا يسأله عن مقدار التزامه، بل يعيده إلى هوية قد يكون أعاد تفسيرها أو ظن أنه تجاوزها.
بهذا المعنى، لم يكن الاضطهاد حدثاً خارجياً عابراً، بل قوة اجتماعية أعادت تشكيل العلاقة بين أفراد الجماعة. لقد رسّخ ما يمكن تسميته «وحدة المصير قبل وحدة الرؤية»: جماعة لا تتفق بالضرورة على تفسير العالم، لكنها تدرك أن نتائج الخطر الواقع عليها قد لا تميز بين اختلافاتها.
وهذا يساعد على تفسير ظاهرة تبدو متناقضة ظاهرياً: فالمجتمع العلوي يستطيع أن يكون شديد التنوع في داخله، وأن يستعيد في الوقت نفسه درجة عالية من التماسك عند التهديد. ليست هذه الاستعادة دليلاً على غياب التناقضات، بل على وجود رابطة أعمق منها، مصدرها التاريخ المشترك والإدراك المتكرر لمصير واحد.
الدين بوصفه إطاراً رمزياً
يأتي الرابط الديني في مرتبة لاحقة من حيث فاعليته المباشرة في تنظيم المجتمع وجمع أفراده. وليس المقصود بذلك الانتقاص من العمق الفلسفي أو الروحي للعرفان العلوي، بل وصف الشكل التاريخي الذي انتقلت به المعرفة الدينية داخل الجماعة.
فقد اتسمت هذه المعرفة بالسرية والتدرج وعدم التكافؤ، ولم تتحول إلى تعليم عام يمتلك جميع الأفراد منه القدر نفسه. لذلك لم تتأسس الجماعة على معرفة عقدية موزعة بالتساوي، بل على انتماء رمزي واجتماعي تحيط به درجات متفاوتة من الفهم والالتزام.
كان ممكناً أن يعرف الفرد أنه علوي، وأن يتصرف اجتماعياً على هذا الأساس، من دون أن يملك معرفة واضحة بالثالوث أو الظاهر والباطن أو التقمص أو البنية الفلسفية للعقيدة. فالاسم الاجتماعي كان أوسع انتشاراً من المضمون الديني، وحدود الجماعة كانت أكثر وضوحاً من مضمونها اللاهوتي لدى كثير من أبنائها.
ولهذا أدّى الدين وظيفة المظلة الرمزية: منح الجماعة اسمها ومرجعيتها التاريخية وصورتها العامة، لكنه لم يفرض عليها وحدة معرفية أو سلوكية كاملة. بقي إطاراً جامعاً، لكن الحياة الاجتماعية اليومية كانت تُدار بدرجة أكبر من خلال العائلة والقرية والعرف والذاكرة وعلاقات الثقة.
ومن هنا جاءت المفارقة الأساسية: قوة في الانتماء تقابلها تفاوتات واسعة في المعرفة الدينية. وكان ممكناً للهوية أن تبقى متماسكة، لأن العضوية في الجماعة لم تكن متوقفة حصراً على اجتياز اختبار عقدي أو تبني تفسير واحد للدين.
التماسك الشبكي والتنوع الداخلي
يمكن التمييز، في علم اجتماع الجماعات، بين التماسك القائم على التجانس، والتماسك القائم على الشبكات. في النموذج الأول، تتماسك الجماعة لأن أفرادها يتبنون قيماً ومعتقدات متشابهة. وفي النموذج الثاني، تتماسك لأن العلاقات بينهم كثيفة ومتداخلة، حتى حين تختلف أفكارهم.
يميل المجتمع العلوي تاريخياً إلى النموذج الثاني. فلم يكن وحدةً عقدية صافية، بل شبكةً اجتماعية واسعة حملت داخلها أفراداً وتيارات شديدة التباين. وقد سمحت هذه البنية بظهور المتدين والعلماني، واليساري والقومي والليبرالي، من دون أن يتحول كل خلاف فكري إلى انشقاق اجتماعي نهائي.
لا يعني ذلك أن الاختلاف كان خالياً من النزاع، بل يعني أن النزاع لم يكن كافياً وحده لمحو روابط القرابة والذاكرة والمصاهرة والمصير. كانت الأيديولوجيا قادرة على تفريق المواقف، لكنها أقل قدرة على تفكيك البنية الاجتماعية العميقة.
وهذا ما يجعل التماسك مختلفاً عن التجانس. فالجماعة المتماسكة ليست بالضرورة جماعة تتكلم بصوت واحد، بل قد تكون جماعة تمتلك من الروابط ما يسمح لأفرادها بأن يختلفوا من دون أن يسقطوا خارجها.
لقد منح هذا التنوع المجتمع العلوي قدرة عالية على التكيف. فانتشار أفراده في تيارات سياسية وثقافية متعددة لم يكن مجرد علامة على الانقسام، بل وسّع خبراته وأشكال حضوره في العالم. استطاعت الجماعة أن تتحرك في بيئات متباينة، لأن داخلها لم يكن محكوماً بنمط فكري وحيد.
إن المجتمع المتجانس تماماً قد يبدو أكثر صلابة، لكنه غالباً أقل قدرة على امتصاص التحولات التي تقع خارج تصوراته المسبقة. أما المجتمع الذي يحتوي رؤى وخبرات متعددة، فيملك بدائل أكثر للاستجابة للأزمات والتغيرات.
لهذا تبدو صورة النسيج أكثر دقة من صورة الكتلة. فالكتلة تستمد قوتها من صلابتها، أما النسيج فيستمدها من تشابك خيوطه المختلفة. وإذا كانت الكتلة الصلبة تقاوم الضغط حتى لحظة انكسارها، فإن البنية المرنة تعيد توزيع الضغط على أجزائها، فتتحرك من دون أن تنهار.
لم يكن التنوع الثقافي والسياسي والإيماني في المجتمع العلوي نقيضاً لتماسكه، بل أحد الأشكال التي اتخذها هذا التماسك. فقد كانت الحدود الخارجية للجماعة واضحة نسبياً، بينما ظل داخلها رحباً وقابلاً لاحتواء تعريفات متعددة للعلوية: عقيدة دينية لدى بعضهم، وتراثاً ثقافياً لدى آخرين، وهوية اجتماعية أو تاريخية لدى غيرهم.
خلاصة
تكشف هذه القراءة أن العلويين ليسوا مجرد جماعة توحّدت حول تعاليم دينية مشتركة، بل مجتمع تاريخي تكوّن من تداخل القرابة والمصاهرة والمكان والذاكرة والخطر والدين.
كانت الرابطة الاجتماعية القوة الأولى، لأنها الأكثر حضوراً في حياة الأفراد والأقدر على الاستمرار رغم تغير معتقداتهم ومواقفهم. وكان التهديد الوجودي القوة الثانية، لأنه حوّل التنوع الداخلي إلى شعور متجدد بوحدة المصير كلما عامل الخارج الجماعة بوصفها كياناً واحداً. أما الدين فكان الإطار الرمزي الذي منح الجماعة اسمها ومرجعيتها، من دون أن ينتج دائماً معرفة موحدة أو ممارسة متجانسة.
وبذلك يظهر المجتمع العلوي أكثر تماسكاً في شبكته الاجتماعية منه في بنيته العقائدية، وأكثر وحدةً في ذاكرته ومصيره منه في أفكاره السياسية والدينية.
إن ما جمع العلويين لم يكن تطابق التصورات، بل تشابك الحيوات. لم يكونوا حجراً واحداً، بل نسيجاً من العلاقات والذكريات والمخاوف والمصالح والمصائر. وقوة النسيج لا تأتي من تشابه خيوطه، بل من عمق ما يربط بينها.
من هنا، لا يُقاس تماسك المجتمع العلوي بمقدار اتفاق أفراده، بل بقدرته التاريخية على حمل اختلافهم. فالتنوع لم يكن نقصاً في وحدته، بل كان أحد أسباب مرونتها واستمرارها.