كفى اعتذاراً عن الوجود

نضال كامل

 لاتكمن مأساة الأقليات في أنها تعرضت للاضطهاد عبر القرون الماضيه، بل في أن بعض هذا الاضطهاد تسلل إلى داخلها، واستقر في لغتها، وحركتها، وطريقة نظرها إلى نفسها. فالخطر الأكبر لا يكون دائماً في يد الجلاد، بل في اللحظة التي يتحول فيها أثر الجلاد إلى عادة نفسية، ثم إلى ثقافة، ثم إلى ما يشبه الحكمة الزائفة.
تتعلم الأقليات، تحت ضغط الخوف الطويل، كيف تنجو. تنكمش، تصمت، تخفض صوتها، وتؤجل إعلان ذاتها إلى زمن أكثر أمناً. وقد يكون ذلك مفهوماً في لحظات القهر التاريخي. لكن ما يبدأ وسيلة للبقاء قد يتحول، مع الزمن، إلى خضوع مقنّع. وما كان حذراً ضرورياً قد يصبح عجزاً أخلاقياً عن مواجهة العالم بوجه مكشوف.
وهنا يجب أن يقال الكلام بوضوح: ليست الأكثرية وحدها مسؤولة عن استمرار دونية العلاقة، بل تسهم الأقليات أيضاً في إدامتها حين تقبل أن تقف دائماً في موقع الدفاع، وحين تجعل من الاعتراف غايتها العليا، وحين تخاطب المجتمع كما لو أنها متهمة تنتظر حكماً بالبراءة.
فالحر لا يستجدي اعترافاً.
ولا يطلب إذناً ليكون نفسه.
ولا يقدم كل صباح شهادة حسن سلوك كي يستحق حقه في المواطنة.
ينطبق هذا على الأقليات عموماً، لكنه ينطبق على العلويين خصوصاً بصورة أكثر إلحاحاً. فقد حمل العلويون تاريخاً طويلاً من العزلة والخوف وسوء الفهم والاتهام. وولّدت هذه التجربة، في كثير من مراحلها، شخصية حذرة، باطنية، شديدة الحساسية تجاه نظرة الآخر. شخصية تعرف كيف تحمي نفسها، لكنها لا تعرف دائماً كيف تعلن نفسها.
لقد كانت التقية، في بعض الأزمنة، أداة دفاع أمام خطر حقيقي. لكنها لا تصلح أن تكون فلسفة وجود. فالجماعة التي تبني حضورها على الكتمان الدائم لا تحمي ذاتها فقط، بل تخنقها أيضاً. والجماعة التي تخاف من إعلان صورتها كما هي تمنح الآخرين، من حيث لا تدري، حق السيطرة على صورتها.
وهذا ما يجب أن ينتهي.
على العلويين، كما على كل أقلية عاشت طويلاً في ظل الخوف، أن يخرجوا من شخصية الاختباء إلى شخصية الحضور. لا بوصفهم طائفة تطلب الرضا، بل بوصفهم بشراً ومواطنين وأصحاب حق كامل. عليهم أن يكفوا عن تلك اللغة المرتبكة التي تحاول إقناع الآخرين بأنهم غير خطرين، غير غرباء، غير ناقصين، غير متهمين.
فمن يقضي عمره ينفي التهمة يظل، في وعي الآخرين، متهماً.
ومن يقضي عمره يطلب الاعتراف يثبت، من حيث لا يريد، أن الآخر يملك سلطة منحه هذا الاعتراف.
إن الخطاب المطلوب اليوم ليس خطاب استعطاف، بل خطاب ندية. ليس خطاب توسّل، بل خطاب حضور. ليس خطاباً يقول للأكثرية: أرجوك اعترف بي، بل خطاب يقول لها: أنا هنا، لم آتِ من خارج الوطن، ولم أدخل التاريخ بإذنك، ولن أستمد حقي من رضاك.
هذا أنا.
هذا تاريخي.
هذا إيماني أو فهمي للحياة.
وهذه حقوقي، لا أستجديها منك، ولا أنتظر توقيعك عليها.
إن الأكثرية الدينية التي اعتادت تاريخياً موقع السيادة الرمزية يجب أن تسمع خطاباً جديداً. خطاباً لا يهاجمها لذاتها، لكنه ينزع عنها وهم الوصاية. فهي ليست مالكة الوطن، ولا قيّمة على ضمائر الناس، ولا محكمة عليا تمنح الشرعية لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء. إنها مكوّن من المجتمع، لا معيار المجتمع كله.
وفي المقابل، يجب على الأقليات أن تتحرر من عبء التوسل. فالكرامة التي تُطلب بانحناء لا تصل كاملة. والحق الذي يُستجدى يعود دائماً مشروطاً. والاعتراف الذي يمنحه الأقوى من موقع العطف يبقى امتيازاً لا مساواة.
لهذا، فإن أول معركة للأقليات ليست مع الآخر فقط، بل مع ذلك الجزء الخائف في داخلها؛ الجزء الذي يفضّل السلامة على الكرامة، والصمت على الوضوح، والالتفاف على المواجهة. وهذا الجزء يجب ألا يُدلل بعد اليوم باسم الحكمة. فليست كل مرونة حكمة، وليست كل مسايرة تعقلاً، وليست كل نجاة حياة.
على العلويين خصوصاً أن يعيدوا تعريف علاقتهم بأنفسهم قبل أن يعيدوا تعريف علاقتهم بالآخرين. أن يخرجوا من موقع الجماعة التي تشرح نفسها إلى موقع الجماعة التي تعلن نفسها. من موقع من ينتظر الفهم إلى موقع من يفرض احترام حقه في الاختلاف. من موقع من يعتذر عن خصوصيته إلى موقع من يرى في هذه الخصوصية جزءاً طبيعياً من تعدد المجتمع.
فلا مستقبل يُبنى في الظل.
ولا مواطنة تكتمل خلف الأقنعة.
ولا جماعة تنهض وهي تخشى صورتها في المرآة.
كفى اعتذاراً عن الوجود.
وكفى طلباً للاعتراف ممن لا يملك أصلاً حق منحه.