تعقيب على تقرير لجنة التحقيق الدولية فيما يخصّ الانتهاكات التي طالت النساء والفتيات العلويات
روزا ياسين حسن
تعقيباً على تقرير لجنة التحقيق الدولية، وخصوصاً فيما يخصّ الانتهاكات التي طالت النساء والفتيات من اختطاف وعنف جنسي، تتحدث أكثر من فقرة معتمدة على شهادات بعض الناجيات العلويات أن الخاطفين كانوا يبرّرون فعلتهم بمحاولة "تعليمهن تعاليم الإسلام" أو إجبارهن على الالتزام بما اعتبروه تعاليم دينية، بما في ذلك ارتداء النقاب وأداء الصلاة والصيام.
بدي احكي عن قصتين من ضمن عديد التوثيقات والشهادات اللي تمّ ذكر تفاصيل مشابهة فيها، تتحدث أم مثلاً بعد اختطاف ابنتها البالغة من العمر 19 عاماً، أنها تلقّت خلال فترة الاختطاف رسائل صوتية من الخاطفين من رقم ابنتها. المفاجأة كانت أن المتحدثة امرأة بلهجة حلبية، وتبين لاحقاً أن الخاطف الأساسي تابع لإحدى الفرق العسكرية في جيش حكومة الجولاني.
خلال تلك الرسائل كانت المرأة/ الخاطفة التي تتواصل مع الأم تؤكد لها أن الفتاة "بأمان"، وأنهم يقومون بتعليمها الصلاة والعبادة، وكرّرت عبارات من قبيل: "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم"، في إشارة إلى أن وجود الفتاة لديهم برأيهم خير لها. في رسالة أخرى تحدثت بنبرة أكثر حدة، قائلة إنها طلبت من الفتاة أن ترتدي اللباس الشرعي وأن تصوم وتصلي، وأنها لو كانت فعلت ذلك سابقاً لما حدث لها ما حدث، وأضافت أنها تأمل أن تكون الفتاة المختطفة قد اقتنعت بكلامهم وأن تلتزم بأركان الإسلام "لتكون من أصحاب الجنة والفردوس الأعلى"، بحسب تعبيرها.
الأم التي كانت تعيش حالة خوف وارتباك شديدين، حاولت مراراً خلال تواصلها مع الخاطفة التأكيد على أنها مسلمة سنية، وأن والد الفتاة هو العلوي لكنها تصوم وتصلي وتقوم بتلاوة الأذكار، في محاولة لإقناع الخاطفين بإطلاق سراح ابنتها. هذه المحاولة بحد ذاتها تكشف حجم الرعب الذي يمكن أن يدفع أماً مكلومة إلى "تنظيف" هوية ابنتها الطائفية وتبرئتها أمام خاطفيها، وتوضّح كيف يمكن أن يكون حق البشر في الكرامة والأمان في مثل هذا الزمان والمكان مشروطاً بانتمائهم الطائفي.
في إحدى المرات أرسل الخاطفون للأم صورة للفتاة المختطفة بعد توسلات عديدة من الأم، وكانت الفتاة في الصورة ترتدي لباساً شرعياً ونقاباً، تأكدت الأم أنها ابنتها من خلال حذاء الرياضة الذي كانت ترتديه!
في شهادة أخرى تظهر حالة مشابهة لاختطاف فتاة قاصر، حيث كان الخاطف مقاتلاً أوزبكياً منتمياً أيضاً لإحدى فصائل جيش حكومة الجولاني. وخلال فترة احتجازها كان يحاول أيضًا "تعليمها أصول الدين الإسلامي"، انطلاقاً من اعتقاده الراسخ الذي أكّده مراراً أمامها بأن العلويين "لا يملكون ديناً". وفق شهادة الفتاة، كان يقول لها إن العلويات "محلّلات لهم دينياً"، وأنها لو كانت مسلمة سنية لما حدث لها ما حدث، قبل أن يضيف لاحقاً أنها برأيه ليست "سبية" وإنما "جارية"، أي أنها له وحده ولا يرضى مشاركتها مع خاطف آخر. هنا وجب التنويه أن الكثير من الحالات اعتبرت فيها المختطفات العلويات سبايا، وقد سبق وكتبت قبلاً عن سجن السبايا في ريف إدلب.
هذه الشهادات لا تكشف عن حوادث فردية، بل تضيء على نمط التفكير الديني المتشدّد، فالفكرة القائلة إن العلويين "كفار" أو "بلا دين"، وإن نساءهم "محلّلات"، ليست فكرة عابرة، بل تظهر بوضوح في أدبيات التيارات الجهادية التكفيرية وفي أشكال الخطاب الطائفي المتطرف، حين يُنظر إلى جماعة كاملة على أنها خارج الدين، يصبح من السهل، في نظر من يتبنى هذا الخطاب، تحويل العنف والاستباحة وحتى الإبادة إلى ما يشبه "مهمة دينية مقدّسة". هنا يُقدَّم الخطف والسبي والانتهاك بكل أشكاله كنوع من "الهداية" أو "التعليم الديني" أو حتى "الدعوة". ومن هنا يمكن فهم إصرار الخاطفين، كما تظهره الشهادات، على القول إنهم "يعلمون المختطفات الصلاة والعبادة" أو حين يفرضون عليهن ما يسمونه "اللباس الشرعي". فالعنف هنا يُعاد تعريفه ليبدو وكأنه فعل "إصلاحي أو أخلاقي".
المشكلة إذن لا تتعلق بحوادث خطف معزولة، وهنا هي ليست معزولة بالمطلق بل ممنهجة على أساس طائفي، بل تتعلّق ببنية فكرية متكاملة تبرّر العنف وتمنحه غطاءً دينياً طائفياً، ومن نافل القول إنها تصنّف البشر بناء على معتقداتهم وترى معتقدها هو "الصح" وكل ما عداه "كفراً وإلحاداً". وفق هذه البنية تصبح النساء أولى الضحايا، وتتحوّل أجسادهن إلى ساحة لفرض السيطرة والهيمنة الدينية والاجتماعية والثقافية، وإلى وسيلة لإثبات التفوق العقائدي على جماعات أخرى.
مواجهة هذه الانتهاكات الجسيمة اليوم لا يمكن أن تقتصر على إدانة الأفعال وحدها، إذا لم يتمّ تكريس نقد حقيقي ومقاومة جذرية رافضة لهذه البنية الفكرية وسيطرتها المتنامية على المجتمعات في سوريا، والتي تجعل مثل هذه الأفعال مبرّرة، فلن تفيدنا الإدانة وحدها بشيء.