صناعة وتجارة الكذب
د. جهاد عطا نعيسة
مثل كل السوريين شَمَلنا فرحٌ عارم بإلغاء قانون العقوبات المالية والاقتصادية الواقعة على سوريا المعروف بـ(قانون قيصر)؛ ذلك أن المتضرر الأول من هذا القانون هو الشعب السوري، وليس السلطة السورية البائدة ورجالاتها. لكن من غير المفهوم ولا المقبول أن يطلق القيصر "فريد المذهان" لنفسَهُ وخياله العنانَ، فيخوض في قضايا يجهلها مئة في المئة ويدّعيها مئة في المئة في آنٍ معاً، تتصل بشقيقي عادل وبي عن علاقتة -المذهان- بنا، والثقة التي منحناها له فرحنا نكاشفه بأسرار خطيرة عن سبب اعتقال الأسد لنا، وعلاقتنا التاريخية الحميمة جداً به قبل الاعتقال. وكلها اختلاقات لا نصيب لها من الصحة إطلاقاً، أجدني معنياً بكشف بطلان ما جاءت به، وادعته، ويا لَشديد الأسف...!
يقول السيد "فريد المذهان":
"كان في بالغرف ثنين إخوة من الطائفة العلوية جهاد نعيسة وأخوه... عادل.. بتوقَّع.. نعيسة.. عندما صار عندي خدمة، صرت أفوت لعندهم.. يحكولي، يفضفضولي، يقولون: يا فريد...".
الذهن العجيب للسيد "يا فريد" جعله يبدأ التعريف بنا بعبارة "من الطائفة العلوية"، غافلاً عن أن النضال ضد الفساد والاستبداد لا يحتاج إلى مواطنين من هذه الطائفة أو تلك، بل إلى مواطنين حقيقيين ينتمون إلى الوطن ويدافعون عنه لأنهم يدركون معنى الانتماء إليه ومسؤوليته. هذا الذهن منعه كذلك من الإلمام بأبسط المعلومات عنا، فيما هو يدَّعي اللقاءَ بنا في "الغرف" خلال خدمته (الغرف تسمية شائعة لمجموعة زنازين في سجن المزة العسكري كانت مغلقة خلف بوابة حديدية ثقيلة أسميتُها "بوابة العزلة"، فتِحَت لاحقاً على ممر ضيق لا يتسع لمرورٍ مرتاح لشخصين في وقت واحد. وهي المكان الذي سُجِنَت فيه القيادة السياسية لحزب البعث إثر انقلاب حافظ الأسد13/ 16 تشرين الثاني 1970م، الذي أسماه "الحركة التصحيحية"... حزب البعث.. نعم، لكن قبل أن يحتله "الأسد" ويحيله رهينةً ومزرعةً له ولحواشيه ومتسلقيه طيلة أربعةٍ وخمسين عاماً..
ولنتابع ما يُقَوِّلُنا إياه السيد فريد، وهو ما لم نقله أو نسمع به يوماً:
"إحنا مشوار عمر مع حافظ الأسد.. إحنا كنا في مقعد دراسي من يوم الإعدادي تا تخرَّجنا من الثانوية.. كنا نطلع مظاهرات ضد الفرنسيين، ضد الإنكليز. لمَّا اختلفنا على شي بسيط، فوراً حَطّنا بالسجن.. إنسان متسلق انتهازي يغدر.. يعني هدون أقرب الناس إلو يحكون ها لحكي...".
فيض حكايات باطلة، لاتمت إلى الحقيقة بصلة يصوغها عقل قاصر شبه أمي، يجهل كل شيء ليس عن تاريخنا الشخصي، بل عن تاريخ سوريا القريب كذلك، ناهيكَ عن تاريخها البعيد.
لا أنا ولا شقيقي عادل يا "يا فريد" كنا في مقعد دراسي واحد مع حافظ الأسد من الإعدادية حتى تخرجنا من الثانوية، ذلك أنه يكبرني بحوالي عشرين عاماً، ويكبر عادل بحوالي ثمانية أعوام. ومن ثَمَّ فنحن لم نخرج معه في أية مظاهرة ضد الفرنسيين، ناهيك عن خروجنا ضد الإنكليز، فحين اشتعلت المظاهرات ضد الفرنسيين في غير مدينةٍ سورية عام 1945م، كان عمرعادل أقل من ثمانية أعوام. أما أنا فلمّا أكن قد وٌلِدتُ بعد. وحين جلا الانتداب الفرنسي عن سورية - وهذا ما يبدو أنك تجهله أيضاً "يا فريد"- في اليوم الشهير الذي سُمي يومَ الجلاء 17/ نيسان 1946م. كان عليَّ أن أنتظر قرابةَ ثلاثة أعوام أخرى كي أولَد...! وأما قضية المظاهرات ضد الإنكليز فأظنك تجهل أيضاً وأيضاً، أن الإنكليز الذين دخلوا إلى سوريا مع قوات الملك فيصل عام 1918م، قد غادروها معه أيضاً عام 1920م ... فعن أية مظاهرات ضد الإنكليز تتحدث "يا فريد"...؟!
مع ذلك، وعلى الرغم من الحممية التي تدعيها في علاقتك بنا، فمن الغريب أن تنسى اسم عادل فتقول: "جهاد نعيسة وأخوه.. عادل بتوَقَّع.. نعيسة"...!!
أما كان بمقدورك "يا فريد"، وأنت تسعى إلى التنديد بعسف "الأسد" أن تُجهِد نفسك قليلاً فتلتمس أحداثاً حقيقية -وما أكثرها- عوضاً من تأليف حكايات ملفقة جملةً وتفصيلاً عن شقيقي عادل وعنّي.. أتحسبنا قادمَين مجهولَين من كوكب آخر بلا معارف وبلا بطاقة هوية...؟ّ وكيف طاوعتك مخيلتك، ولن أقول "ضميرك" وأنت تبتكر كل هذه الأحاديث والحكايات التي يستطيع تفنيدها أقل الناس معرفةً بنا...؟
عادل نعيسة الذي تتلعثم وتضطرب في محاولة تَذَكُّرِ اسمه "يا فريد.." هو مناضل سياسي معروف. وعضو في القيادة القطرية التي انقلب عليها "الأسد"، وقائد سياسي في منظمة "الصاعقة" التي كانت حينها فصيلاً فاعلاً ومهماً في حركة التحرير العربية/ الفلسطينية. وهو المناضل الذي سجنه الأسد َأثنين وعشرين عاماً ولاحقه قبلها ثلاثة أعوامٍ كاملة لم يوفَّر فيها بحثاً عنه منزلَ صديقٍ أو قريب توهَّموا وجوده فيه في اللاذقية أو دمشق، ويبدو أنك تجهل كل ما يتصل به وبتاريخه النضالي الطويل الذي صنعه هو ورفاقه في مواجهة الردة الأسدية ومقدماتها على كل القيم الوطنية والإنسانية، التي نزفوا أعمارهم دفاعاً عنها. عادل نعيسة لم يلتقِ "الأسد" إطلاقاً خارج المؤتمرات الحزبية، وحين انتُخِبَ عضواً في القيادة القطرية في المؤتمر الرابع القطري استشاط "الأسد" غيظاً وأعلن استنكاره لهذا الانتخاب بعد إعلان نتيجته مباشرة.. عادل نعيسة كما رفاقه في القيادتين القومية والقطرية كانوا جميعاُ على خلاف مبدئي (وليس شخصياً) مع "الأسد،" مما دفعه إلى سجنهم ذلك السجن الدهري الذي سرق من أعمارهم قرابة ربع قرن. أما أنا، فعليك أن تعرف يا أستاذ فريد أني لم ألتقِ بـ"الأسد" يوماً ولم أشاهده في حياتي كلها خارج شاشات التلفزة، أو وسائل الإعلام الأخرى...!
رويدك يا سيد "مذهان". فلا عادل ولا أنا كنا يوماً أقرب الناس إلى حافظ الأسد. على العكس تماماً، فقد كنا وبقينا ومنذ أولى طروحات ارتداده عن النهج الذي آمنا والتزمنا به في مواجهة دائمة يعرفها القاصي والداني له ولطروحاته وممارساته. ومن ثَمَّ يا سيادة المساعد أول في قلم شرطة دمشق، فإن قراءتك لاسمَينا بوصفنا سجينَين في "الغرف" في سجن "المزة" العسكري لم تلتقِ بأيٍّ منهما، أو يلتقيا بك يوماً، لاتخَوِّلُكَ إطلاق َالعنان لخيالك كي تنسج عن علاقتك بنا، أوعن علاقتنا بحافظ الأسد فيضَ حكايات مضحكة لم يسمع يها أنسٌ ولا جن.. ولن نسمح لك أن تسيء إلى تاريخنا فتختزله على هواك لإثبات عسفٍ واستبدادٍ ليسا بحاجةٍ إلى إثبات... وما هكذا تورَدُ الإبل يا...
"يا فريد.."!!!