السويداء بين الانزياح التاريخي ومذبح الكلمة
معين حمد العماطوري
عاشت السويداء وتعيش لحظات تاريخية مفصلية، فهي ضمت بين صخورها البازلتية احداث ووقائع هامة في تاريخ الانسانية، فهي وان لم تستطع ان تحتضن البحر في ظهرانيها، لما للبحر من حكايا ورسائل ابداعية وخفايا واسرار، لكنها قدمت افعالا واعمالا لو قيض لغيرها من المدن ان تنال الاهتمام الكافي من الباحثين والمؤرخين والنقاد لنالت الصدارة في موسوعة غينيس للارقام القياسية، في ابداعاتها ومبدعيها واعمالها ورجالها...
السويداء اليوم تدمع مكلومة من جروح دامية اصابها من اقاربها واخوتها وجيرانها، شربت من كاس الخذلان، ورات معاني الخيانة منهم، ووقفت على مشارف الانكسار، ولكن ايمان شيوخها الاطهار، وكرم مضافاتها، ونخوة شبابها واصالة نسوتها مع رجالها، اصايل اللحظة والموقف الثبات، غذوا بزغاريدهن ارادة الانتصار، وجعلوا افعال واعمال رجالهن البطولية وتاريخهم المشرف بحماية الارض والعرض اسطورة اللحظة المعاصرة، الامر الذي رسم للزمن سطورا ذهبية في جبهة التاريخ، تدون لتكون ايقونة الشاهد على ما يميزوهم حقا عن باقي الشعوب بعاداتهم وتقاليدهم واعرافهم. السامية...
زرعوا في حقول الزمن سنديانة عشق لمعاني رائحة تراب الارض والانتماء، اصوات علت وهللت تعيد الزمن الغابر لمقاومة الحياة، وشظف العيش، بغية الوصول الى الهدف المنشود، رجال زمجرت وغنت حداء المجد في وجه الجائر...
السويداء التي احتل مبدعوها مقعدا في صدر العالمية، فرضت على الذاكرة ان لا تنسى بطولة سلطان باشا الاطرش والثوار الاماجد في تحرير سوريا من انياب الاحتلال العثماني والفرنسي، واثناء دخولهم دمشق محررين من ظلام الاستبداد بعد اربعة قرون من جور العثماني الذي حاول اعادة نفوذه مجددا... غنوا بساحة المرجة:
زينو المرجة ترى المرجة لنا
زينو المرجة لتلعب خيلنا
وحين امتشق سيف الحق في وجود الزمن المنسي عند رجال الجهل انشدوا ابطال الجبل:
عرش المظالم انهدم والعز طب بلادنا
راحت عليكم يا عجم ذبح الاعادي دابنا
حنا حماتك يا علم بارواحنا واكبادنا
وامتد معاني الجمال للوصول الى صوت اسمهان الذهبي، والحان فريد الاطرش العبقرية، ورجولة فهد بلان في الاداء، وانسياب الحان سعدو الذيب وداوود رضوان، وصولا للعالمية على منابر العالم بصوت المغنيات الاوبرالية العالمية لبانة القنطار ورشا رزق ووعد ابو حسون وغيرهن، ولم تكن الكلمة الملتزمة الجريئة بعيدة عن رسم خريطة الانزياح الابداعي باغاني سميح شقير وعز الدين الامير واخرين...
اما الكلمة الادبية المبدعة فقد مازج ادب السويداء الواقع باصرار المبدعين على اختلاف الاجناس الادبية الذين اجادوا بتصوير ما ارادوا من مسرح ورواية وقصة قصيرة وقصيرة جدا والشعر بانماطه المتنوع وفرضوا صورهم الدلالية واسلوبهم الانفعالي الطافح محبة للانتماء، والجامع بين جمال الكلمة وابداعها الدلالي... وصولا الى التماهي الروحي مع الموقف الثابت النابع من عمق التجذر والتعلق بالحياة رغم صعوبة التعامل مع الصخور البازلتية....
هي اليوم تذرف دمعا وتنز دما على من احبت، حقا تعاني من ظلم الكلمة الجائرة وثقافة التضليل والتشويه والجهل والتجهيل لموقفها الثابت بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها.... واصواتها تعلو وتقول: (تبت يدي ابي لهب وتب)...
نشرت 5 آب 2025