اتفاق استراتيجي يكرّس موقع إيران
أحمد رفعت يوسف
ثمة معادلة يتنفق عليها جميع المراقبين والخبراء، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لا يمكن أن توقفان حرباً تخوضانها، طالما أن لديهما القدرة على الاستمرار، وضمان تحقيق الانتصار، ولو بالنقاط العادية، وبالتالي فأي قرار بوقف القتال مع إيران، أو وضع ضوابط له، أو محاولة منع الانجرار إلى مواجهة موسعة، يؤكد أنهما عجزا عن تحقيق الأهداف الرئيسية للحرب، وهي تغيير النظام الإيراني، وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي، والقضاء على حركات المقا*ومة.
لا شك بأن إيران، اصابها تدمير كبير، وتلقت خسائر جسيمة، وفقدت الكثير من قيادات الصف الأول والثاني، والشعب الإيراني يعاني من حالة اقتصادية ومعيشية صعبة، لكن ما تؤكده المعلومات، التي لا تظهرها البيانات الرسمية، والتصريحات الفوضوية للرئيس ترامب، وحالة الإنكار التي يعيشها نتنياهو، أن إيران تمكنت من إلحاق تدمير وأضرار جسيمة، بالقواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، وفي المواقع والمنشآت الحيوية الإسرائيلية، حيث تمكنت من استهداف وتدمير عشرات الرادارات، ومنظومات الاتصالات المختلفة، التابعة للقوات الأمريكية في المنطقة، وأخرها كانت تدمير الرادار الأمريكي المتطور، في جبل الدخان في البحرين، بعد تركيبه بعدة أيام وهو ما مكن الصواريخ الإيرانية، من الوصول إلى أهدافها بسهولة، وخاصة الضربة القاصمة، التي وجهتها الى قاعدة موفق السلطي الجوية في الاردن التي تحتوي طائرات F 35 والتي سمعت دوي انفجارتها على لعد ٢٠٠ كم، ووضعت الأمريكيين والإسرائيليين، أمام أخطار استراتيجية جسيمة، لو استمر القتال.
كما أن (الجنرال الزمن) كان يلعب بقوة لصالح إيران، بسبب التأثير الكبير لإغلاق مضيق هرمز، على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، واستضافة أمريكا لكاس العالم لكرة القدم، وقرب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، وقرار الكونغرس بتقليص صلاحيات ترامب في الحرب، والذي جاء تعبيراً عن موقف كبار جنرالات البنتاغون والاستخبارات، الذين لا يتأثرون بفوضى ترامب وتصريحاته،
أهم ما أعلن من بنود الاتفاق، وفق المصادر الأمريكية..
وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، بما يشمل لبنان، مع استئناف المفاوضات.
**إعادة فتح مضيق هرمز فورا، أمام الملاحة الدولية من دون رسوم (سيتم تسميتها خدمات) مقابل رفع الحصار الأميركي على إيران.
(التزام) إيراني، بعدم امتلاك سلاح نووي، ومعالجة أزمة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، والموافقة الأمريكية على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم (داخل) إيران، تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة.
أما الجانب الإيراني فقد كشف عن تفاصيل أكبر عن بنود الاتفاق أهمها:
**وقف فوري ودائم للأعمال العدائية، على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
التزام الولايات المتحدة، بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسحب قواتها من محيط إيران.
إعادة فتح مضيق هرمز، خلال 30 يومًا (وفق ترتيبات إيرانية).
تعليق العقوبات المفروضة، على بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، ومنح إيران حق الوصول الكامل إلى مواردها المالية.
**إلزام الولايات المتحدة وحلفائها، بتقديم خطط إعادة إعمار لإيران، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
رفع كامل للعقوبات الأولية والثانوية الأمريكية، وقرارات مجلس الأمن الدولي، ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تأكيد التزام إيران بمعاهدة عدم الانتشار النووي، بعدم إنتاج سلاح نووي.
الإفراج عن 24 مليار دولار، من الأموال الإيرانية المجمدة، خلال فترة المفاوضات النهائية، التي تمتد 60 يومًا.
هذا يعني أن المفاوضات، ستقتصر حول مصير المواد المخصبة ونسب التخصيب، ورفع العقوبات، وخطة إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، فيما تم استبعاد برنامج الصواريخ الإيراني، ودعم حركات المقا*ومة بشكل نهائي من جدول الأعمال.
في قراءة أولية للاتفاق، من السهل القول بأنه أقرب للشروط الإيرانية من الأمريكية، وتكاد تجمع وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية والعالمية، على التقول بأن ما حدث يشكل انتصاراً استراتيجياً لإيران، سيكرسها قوة إقليمية عظمى، وستكون تداعياته الجيوسياسية كبيرة جداً على المنطقة، وعلى توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، وهو ما ستظهر نتائجه لاحقاً.
كما أظهرت نتائج استطلاع للرأي في إسرائيل في اليوم التالي للاتفاق، أجرته للقناة 13 أن أكثر من نصف الإسرائيليين، يرون بأن قدرة إسرائيل على الردع تراجعت.
وأظهر استطلاع آخر، نشرته صحيفة معاريف، تراجع فوري لحصة الليكود ثلاثة مقاعد إضافية، في الانتخابات المقبلة، وحصول تحالف اليمين بقيادة الليكود، على 50 مقعداً فقط، لا تؤهله لتشكيل حكومة جديدة، وهو ما يعني انتهاء الحياة السياسية لنتنياهو بالكامل، وقضاء ما تبقى من حياته في السجن، وهو نفس المصير الذي قد يلقاه ترامب، في حال خسارته انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.
إقليمياً ودولياً، فهذه النتيجة، تشكل قفزة نوعية باتجاه الانتقال إلى العالم المتعدد الأقطاب، أما تأثيره المباشر على توازنات المنطقة، وخريطتها الجيوسياسية، فإن قدرة إيران على مواجهة أمريكا وإسرائيل، حمت المنطقة من انتصار المشروع الإسرائيلي، وتغوله في المنطقة، والانتقال بعد إيران إلى السعودية وتركيا ومصر، وهو ما سيخلق نوع من التوازن والتوافق لاحقاً، على تعاون إقليمي لتحقيق أمن المنطقة.
ولأن ترامب ونتنياهو لا يؤتمن جانبهما، فمن المشروع التساؤل.. هل سينتهي هذه التفاهم إلى اتفاق نهائي؟.. أم أنه سيكون هدنة لتقطيع الوقت، حتى إنجاز الاستحقاقات الأمريكية، والانتخابات الإسرائيلية، وتقييم نتائج هذه الجولة، وأسباب الفشل، وإجراء المزيد من الاستطلاع، وجمع المعلومات، لنشهد بعدها جولة جديدة، من القتال تكون أشرس وأصعب.. أم أن أمريكيا وإسرائيل ستسلمان بالهزيمة وقبول النتائج؟..
الجواب على هذا السؤال ليس بهذه البساطة، فواقع الميدان لا يقول باستئناف القتال، لكن ليس من السهل على إسرائيل وأمريكا، التسليم بالهزيمة بهذه البساطة.