ترامب «يستغل» الكنيسة... لاستعراضٍ انتخابي ويهدد الأميركيين: سأقمعكم بالعسكر!
لم يفوّت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يواجه عصياناً مدنياً هو الأخطر في ولايته مع احتجاج آلاف الأميركيين على العنف الذي تمارسه الشرطة والعنصرية والتفاوت الاجتماعي، وفي وقت لا تزال فيه بلاده ترزح تحت وطأة انتشار وباء «كوفيد ــــ 19»، فرصة ممارسة نوع من الاستعراض الذي يسهم في تقوية موقعه الانتخابي أمام قاعدته المؤلّفة من اليمينيين البيض المتطرّفين.
فبعد دقائق من التحدّث في «حديقة الورود» عن أهمية «القانون والنظام» لقمع الاضطرابات، سارَ عبر الشارع إلى كنيسة سانت جون الأسقفية المعروفة بـ«كنيسة الرؤساء». خطوة سبقها استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع والقوّة لتطهير الشوارع، إفساحاً في المجال أمام الرئيس لالتقاط صورة. بمجرّد وصوله إلى سانت جون، رفع ترامب كتاباً مقدّساً كُتب عليه «الله محبة» وهو يقف أمام لافتة الكنيسة. وقال: «لدينا بلد عظيم»، مضيفاً: «هذا أعظم بلد في العالم، وسوف نضمن أمنه»، قبل أن ينضم إليه في الوقوف أمام الكنيسة التي غطت ألواح من الخشب بوابتها ونوافذها عدد من الشخصيات، بينهم وزير العدل، بيل بار، والمتحدّثة باسم البيت الأبيض، كايلي ماكيناني.
باختصار، واصل ترامب فعل ما يبرع به، وهو إثارة الجدل، ليس عبر إعلانه نيّته نشر الجيش فقط، بل بالتقاط الصورة أمام الكنيسة، الأمر الذي لاقى انتقادات وإدانات، خصوصاً من رجال دين اعتبروا أنّه اتّخذ الكنيسة صرحاً للترويج لنفسه. وقالت ماريان بود، وهي مسؤولة عن أُسقفية واشنطن: «أنا أسقف أبرشية واشنطن الأسقفية، ولم أتلقَّ حتى دعوة مجاملة تفيد بأنّهم سيطهّرون (المنطقة) بالغاز المسيل للدموع كي يتمكّنوا من استخدام إحدى كنائسنا كدعامة». ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بود، أن رسالة ترامب تتعارض مع قيَم الحب والتسامح التي تتبنّاها الكنيسة، قبل أن تصف زيارته بأنها فرصة لاستخدام الكنيسة والكتاب المقدس كـ«ستار خلفي». وفي حديث آخر إلى شبكة «سي أن أن»، قالت: «دعوني أكن واضحة: استخدم الرئيس للتو كتاباً مقدساً، وأقدس نص للتقليد اليهودي المسيحي، وإحدى كنائس أبرشيتي، من دون إذن، كخلفية لرسالة معادية لتعاليم يسوع... لا أصدّق ما رأته عيناي».
كذلك، ردّد زعماء دينيون آخرون تعليقاتها، إذ اتهم رئيس الكنيسة الأسقفية، مايكل كاري، ترامب باستخدام الكنيسة والكتاب المقدّس «لأغراض سياسية حزبية»، قائلاً: «من أجل جورج فلويد، ولجميع الذين عانوا خطأً، ومن أجلنا جميعاً، نحتاج إلى قادة لمساعدتنا على أن نكون أمة واحدة، تحت رعاية الله، مع الحرية والعدالة للجميع». أما المرشح الديموقراطي للرئاسة، جو بايدن، فندّد بالحادثة، قائلاً في تغريدة على «تويتر»، إنّ الرئيس «يستخدم الجيش الأميركي ضدّ الأميركيين. إنّه يطلق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين سلميين، ويطلق عليهم الرصاص المطّاطي، من أجل صورة». كما اتهم بايدن ترامب، خلال خطاب من فيلادلفيا أمس، بأنّ الأخير «قلق حيال إعادة انتخابه أكثر من قلقه على جمع شمل أميركا مقسّمة تهزّها أعمال العنف... عندما يُبعَد متظاهرون سلميون بأمر من رئيس البيت الأبيض الذي هو بيت الشعب باستخدام القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية لينظم عملية إعلامية أمام كنيسة عريقة، فإن تصرفاً كهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الرئيس أكثر حرصاً على السلطة منه على المبادئ، وأنه أكثر اهتماماً بأهواء قاعدته الانتخابية منه بحاجات الذين يفترض أن يهتم بهم».
وتأتي مسيرة ترامب المتلفزة إلى سانت جون بعد الانتقاد الذي تعرّض له بسبب هرعه إلى مخبأ تحت الأرض، حينما تجمّع المحتجّون خارج البيت الأبيض، مساء الجمعة. وقد قضى هناك ما يقرب من ساعة في المخبأ الذي يخصص عادة في زمن الحرب أو الهجمات الإرهابية، وفقاً لمسؤولين لم تُذكر أسماؤهم.
«قانون التمرّد»
من هذا المنطلق، وبناءً على تصريح ترامب، قد تُنشر الوحدات العسكرية بموجب «قانون التمرّد» الذي استخدم آخر مرّة لقمع أعمال الشغب في لوس أنجلوس عام 1992، عندما لجأ حاكم كاليفورنيا إليه بعد تبرئة شرطيين كانا ضالعين في قتل رودني كينغ، الذي قضى بسبب الضرب الوحشي. حينذاك، طلب من الرئيس الراحل جورج بوش الأب التدخّل لأنّ قوات «الحرس الوطني» في كاليفورنيا لم تكن قادرة على قمع الاضطراب الداخلي. وردّ بوش بإصدار أمر تنفيذي أذِن لوزير الدفاع بتحويل الحرس في كاليفورنيا إلى قوات فدرالية، وتمّ نقل جنود في الخدمة من قواعد في كاليفورنيا إلى هناك للتعامل مع الأحداث.
تبقى شروط إنفاذ القانون محدّدة بطرق مشروطة جداً، منها اللجوء إلى استخدام القوة كملاذ أخير، وعدم استخدام القوة المفرطة إلّا عند تعذّر اللجوء إلى وسائل أقل قسوة. كذلك، تجيز هذه القواعد استخدام القوة لحماية المرافق النووية والمرافق العامة المهمة. ومن هذا المنطلق، يمكن لترامب نشر القوات العسكرية الأميركية للقيام بمهام غير متعلقة بإنفاذ القانون، مثل حراسة البنية التحتية الحيوية أو تقديم الدعم الطبي أو اللوجستي. مع ذلك، تنصّ فقرات القانون على أن الرئيس يستخدم هذه السلطة إذا كان العنف «يعيق تنفيذ قوانين الولايات».
«لم نصل إلى مستوى التمرّد!»برغم كلّ ذلك، من المستبعد أن يلجأ حاكم ولاية مينيسوتا، أو أي حاكم آخر، إلى هذا الأمر بالنظر إلى المواقف السياسية التي تتعارض مع ترامب، وخصوصاً أنّ غالبية الولايات التي تشهد عنفاً يحكمها ديموقراطيون. فضلاً عن ذلك، تشير الوقائع إلى أن الولايات الأميركية تاريخياً كانت متردّدة في طلب الاستعانة بالجيش الفيدرالي. على سبيل المثال، طلب حاكم لويزيانا كاثلين بلانكو، إبان إعصار كاترينا، أن يبقى «الحرس الوطني» تحت سيطرة الولاية، ورفض اللجوء إلى الحكومة الفيدرالية. ويرى العديد من الخبراء أنّ التظاهرات والسرقات التي اندلعت بعد مقتل فلويد لم تصل إلى مستوى التمرّد.