كتب عدنان بدر حلو: ماذا يجري في فرنسا؟

تحتاج الحركة الشعبية الجديدة في فرنسا إلى دراسة معمقة لأنها تشكل مدخلا إلى مرحلة جديدة كليا في الحياة السياسية الفرنسية وربما الأوروبية وحتى أبعد من ذلك
مع ذلك لا بد من ملاحظات أولية:
أولا: هذه الحركة الاحتجاجية الواسعة جاءت من خارج الأحزاب وحتى النقابات العمالية بيسارها ووسطها ويمينها.
ثانيا: تتصل هذه الحركة اتصالا عضويا بظاهرة أخرى توالت منذ عدة سنوات وهي تضاؤل الاهتمام الشعبي بالانتخابات البرلمانية أو الرئاسية او حتى البلدية
ثالثا: تأتي هذه الظاهرة في خضم تغيير كبير في طبيعة علاقات الإنتاج وغياب الصورة الطبقية التقليدية للنظام الراسمالي بصورته التقليدية من حيث وجود طبقة عاملة تقليدية واسعة وطبقة راسمالية واضحة المعالم فيما تمثل الحياة السياسية انعكاسا لهذه الصورة النمطية وموازين قوى العلاقات فيما بينها.
رابعا: لقد طرأت تغيرات جذرية على هذه الصورة التقليدية مع توسع مجال الاستغلال الراسمالي من نطاق الجغرافيا الوطنية إلى الجغرافيا العالمية حيث نقلت معظم الشركات متعددة الجنسية الكثير، بل معظم، نشاطاتها واستثماراتها إلى بلدان اخرى اقل نموا وارخص أجورا لليد العاملة وباتت أرباح هذه الشركات تعود الى البلد الأم دون أن تنال منها الطبقة العاملة الوطنية أية حصة ودون ان يتأتى عليها أية مشاركة في تمويل نظام الضمان الاجتماعي الوطني فتزداد الكتلة المالية الاكبر وطنيا في أيدي قطاع ضيق من المستثمرين الكبار وبالذات المؤسسات المصرفية والمالية التي تزداد سيطرة على أجهزة الدولة ومعظم آليات الحياة السياسية و وحتى الإعلامية.
على ضوء هذه المعطيات تغترب الحياة السياسية التقليدية بشكل متدرج من خدمة القطاعات الشعبية الوطنية إلى خدمةهذه القوى المهيمنة المتمركزة ضمن نطاق السلطة المالية ذات المصالح والاهتمامات فوق الوطنية الأمر الذي دفع بقطاعات شعبية واسعة للانصراف عن الاهتمام بالمؤسسات السياسية القائمة ونشاطاتها وصولا في النهاية إلى التمرد عليها جميعا
وما يجري الآن هو مقدمات لما هو قادم.