كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رابطة المثقفين في دير عطية (1950-1973)

كتب الدكتور عبد الله حنا- فينكس

كانت الأجواء مهيأة في أواخر الأربعينات لقيام تجمع للمثقفين في دير عطية يعمل على إنهاض البلدة من عثارها والسعي لتطويرها في مختلف الميادين. فقد تميّز المثقفون في أواخر الأربعينات بكثرة عددهم وحصول بعضهم على تأهيل جامعي. كما اتصف هؤلاء المثقفون بتنوع انتماءاتهم السياسية (بعث، شيوعي، حيادي) وتمثيلهم لعدد كبير من العائلات الكبيرة والصغيرة مما ساعد على سهولة تأثيرهم في عملية الإصلاحات الراغبين في تحقيقها.

فقد أدت حركة المكسر، التي كانت، في بداياتها، حركة احتجاج من الفلاحين الفقراء والمتوسطين على امتلاك وجاهات القرية لأرض البريكة وقناتها، إلى إضعاف الوجاهات التقليدية وحلول «زعامة المكسر» محلها. ولكن زعامة المكسر سرعان ما وقعت في أخطاء وسلكت دروباً أبعدت عنها شيئاً فشيئاً جماهيرها الملتفة حولها في منتصف الأربعينات. يضاف إلى ذلك ان المناخ العام في سوريا بعد الاستقلال كان ملائماً لظهور قيادة جديدة في دير عطية. فالفئات الوسطى التي أخذت بعد الاستقلال (1943) تتسلق السلم الاجتماعي والسياسي متطلعة إلى إزاحة «الطبقات العليا»، وكذلك الأحزاب العقائدية الناشئة (الشيوعي، البعث العربي، العربي الاشتراكي) التي كان لها موطئ قدم في دير عطية، أسهمت في تحريك المثقفين وتنظيمهم وقيادتهم لعملية إصلاح القرية وتطويرها والخلاص من الجمود السابق والعقلية القديمة. 

                               *** 

المبادر، في صيف 1950، إلى جمع كلمة المثقفين في دير عطية هو الطالب توفيق البيطار (مواليد 1932)، الذي اتصل مع عدد من زملائه بالأستاذ عبيد البطل وعرض عليه فكرة تأسيس رابطة للمثقفين تسهم في تطوير القرية وتسعى لإنشاء مدرسة ثانوية فيها. وقد لاقت الفكرة قبولاً من جميع المثقفين الذين عُرضت عليهم. وسرعان ما قام توفيق البيطار برفقة صديقه الطالب مخيبر هزاع المرعي (وهو أول من تعلم من عرب الضيعة) بتوقيع عريضة تتضمن الفقرة الوحيدة التالية: «الواجب يدعوكم لحضور الاجتماع، الذي سيعقد مساء.. في نادي مدرسة الروم الارثوذكس». ومع أن النص لم يتضمن أية إشارة إلى تأسيس تجمع للمثقفين، إلا أن كل من وقع العريضة وحضر الاجتماع كان يعرف الغاية منه. وفعلاً اتفق رأي المجتمعين في النادي على تنظيم أنفسهم من أجل العمل لدفع البلدة في معارج الرقي وتأسيس رابطة للمثقفين في دير عطية تضم من يحملون الشهادة الابتدائية فما فوق. (36) 

أسفر الاجتماع الثاني عن انتخاب لجنة تنفيذية مؤلفة من يوسف البطل رئيساً وزكي التجار وعطا الله مغامس ومصطفى الحاج ابراهيم ورضا الخطيب وعبيد البطل أعضاء. كما جرى انتخاب مكتب إداري من شفيق طرفة أميناً للسر و خالد عبد السلام محاسباً وبشارة نعمة أميناً للصندوق. 

 أثناء انعقاد الاجتماع السنوي للهيئة العامة في صيف 1951 لانتخاب للجنة التنفيذية ورئيس الهيئة العامة، لفت أحد الاعضاء انتباه الحضور إلى مخالفة الهيئة العامة لدستور الجمهورية السورية، التي تنص إحدى مواده أن «دين رئيسها الاسلام»، عندما انتخبت المسيحي يوسف البطل رئيساً لها. وجرى حوار «هادئ ساخن» بين ذلك العضو وجميع الاعضاء المسلمين في رابطة المثقفين، الذين لم يوافقوه في الرأي، وأعلنوا أن يوسف البطل هو أكفأ عضو مقيم في دير عطية مؤهل لرئاسة الرابطة*، ولا فرق بين مسلم ومسيحي طالما أن هدف الرابطة هو إصلاح البلدة*. وقد عكس هذا الموقف الأجواء النهضوية المستنيرة السائدة بين مثقفي دير عطية في الخمسينات، ودلّ على زخم الحركة الوطنية العربية في سوريا وشعارها «الدين لله والوطن للجميع». 

        افتتحت رابطة المثقفين في دير عطية نشاطها بإصدار بيان مؤرخ في 22آب 1950 وموجه إلى المهاجرين من دير عطية إلى أمريكا تحت عنوان: «نداء الأهل إلى الأهل.. من دير عطية المقيمة إلى دير عطية النازحة». (انظر نص البيان في الملحق). تألف البيان من صفحتين وتضمن الأمور التالية:  

  1. مقدمة ذات مسحة أدبية رومانتيكية تدغدغ أحلام المهاجرين وتستثير مشاعرهم ونخوتهم وتعرفهم بحركة المثقفين. ونقرأ في المقدمة الأفكار التالية: «الثقافة فتحت عيون الشباب على مصائب بلدهم». «دير عطية في حاجة ملحة إلى الإصلاح، بعد إخفاق المصلحين وتقاعسهم عن أداء الواجب». المثقفون «يأملون مؤازرة المهاجرين وكرمهم». المثقفون يسعون «لجعل دير عطية بلداً عامراً بالعلم والاخلاق والنظافة» المثقفون «سيحاربون المفسدين أياً كانوا». «الشباب المثقف تنادى بمختلف نزعاته السياسية والطائفية للعمل لخير دير عطية بعيدين عن كل غاية حزبية أو شخصية أو طائفية أو عائلية». 
  2. المشاريع التي تسعى الرابطة إلى تحقيقها هي: بناء مدرسة تجهيز للبنات، إصلاح نهر البلدة، العناية بشوارع البلدة وفتح شوارع جديدة وتعبيدها، تنوير البلدة بالكهرباء، توزيع مياه الشرب على المنازل، بناء مدرسة صناعية ومستشفى أهلي، قسمة أراضي البعل جبلاً وسهلاً لاستغلالها للتشجير والرعي. 
  3. دعوة المهاجرين للعودة إلى دير عطية وتوظيف أموالهم في المشاريع الاقتصادية التالية: إنشاء معمل أسمنت، إنشاء مشاريع زراعية في أراضي تحت الجبل، تربية المواشي والنحل والدواجن، إنشاء معمل لصنع الألبان، إنشاء معمل لصنع بلاط الموزاييك، إنشاء مشروع للاصطياف بإقامة فنادق، استغلال الثروة المعدنية.       
  4.  حدد النظام الأساسي لرابطة المثقفين في دير عطية في مادته الثانية غاية الرابطة في «الاهتمام بشؤون دير عطية الثقافية والاجتماعية على اختلافها». وجاء في المادتين الثالثة والرابعة أن «الرابطة بعيدة عن السياسة وان أعضاءها خارجون على الطائفية والعائلية والحزبية يعملون لمصلحة دير عطية العامة ومجبرون على أداء القسم التالي(37):  «أقسم بالله وبشرفي أن أعمل بإخلاص لمصلحة دير عطية متجرداً من كل نزعة طائفية أو شخصية أو حزبية أو عائلية وأن أحترم هذا النظام والله على ما أقول شهيد».  يمكن أن نقسم تاريخ الرابطة منذ تأسيسها عام 1950 إلى سنة حلّها عام 1972 إلى مرحلتين: 
  • المرحلة الأولى امتدت عبر الخمسينات حتى قيام الوحدة بين سوريا ومصر. وقد بلغت الرابطة في هذه المرحلة أوج نشاطها وأصبح لها دور واضح في دفع عملية الإصلاح والتطور في دير عطية. وتعكس مذكرات النجار الشيوعي خالد القليح المكانة التي احتلتها الرابطة في هذه المرحلة. كتب القليح(39): «قدّر الناس قيمة تلك الرابطة… وأعظم مشروع تبناه شباب الرابطة هو مشروع إنارة البلدة… والحصول على مياه الشرب بالأنابيب (الفيجة) وكانت تتصادم مع الجمعية الزراعية»... «أما زعماء البلدة التقليديين فقد خمد ذكرهم أمام الشباب المنظم من المثقفين الكبار..، الذين تجردوا عن كل الاعتبارات السياسية والروحية والعائلية، وحزم عزمهم على العمل بالإصلاح العمراني والخدمات الصحية والثقافية والتربوية. وكانت السلطات المحلية تشجع هؤلاء الشباب…»… هذه الشهادة من إنسان نجار ذي وعي اجتماعي متميز ذات مغزى عميق حول دور الرابطة وأثرها في دير عطية. _ المرحلة الثانية من عمر الرابطة تمتد عبر الستينات حيث تراجع دورها، بالمقارنة مع المرحلة السابقة، وأخذت تستنفذ أغراضها بعد أن حققت جزءاً هاماً من غاياتها. كما لعب التطور العام في البلاد دوراً في هذا الأمر. فقد دخلت سوريا في الستينات مراحل جديدة تختلف عن مرحلة الخمسينات المتصفة بالنهوض الوطني الجماهيري النهضوي العارم. كما أن الدولة أخذت تحل محل الجمعيات في تحقيق مشاريع الماء والكهرباء وشق الطرق وغيرها. 
  • *******
  • ذكر لي الأستاذ عبيد البطل، في إحدى لقاءاتنا عام 1992، أن المثقفين المسيحيين، وهم العدد الأكبر في الرابطة آنذاك، كانوا يدركون أن نجاح الرابطة وتَرَسُّخِ أقدامها يقتضي انتخاب رئيس مسلم مراعاةً للمشاعر العامة. وفي لقاء ثانٍ في 15-3-1999 مع الأستاذ رضا الخطيب، الذي كان أشد الأعضاء المسلمين حماساً في الدعوة إلى عدم التفريق بين مسلم ومسيحي في قيادة الرابطة، ذكر بأن أبو صلاح (يوسف البطل) وأبو عبدو (عبيد البطل) رجوه في القبول برئاسة الرابطة، حتى لا تعبث الأيدي الخفية المتضررة من قيام الرابطة وسعيها للإصلاح في القضاء عليها. وهكذا جرى انتخاب رضا الخطيب رئيساً وبقي يوسف البطل عضواً في اللجنة التنفيذية. وأضاف الأستاذ رضا مؤكداً أن هدف الجميع من المثقفين كان العمل لإصلاح البلدة، وهذا سر نجاح الرابطة.    

* أضاف الأستاذ مصطفى الحاج ابراهيم -وهو من أعضاء اللجنة التنفيذية- لدى قراءته للمخطوط مايلي: مع الاعتراف التام بكفاءة الأستاذ يوسف، كان موضوع «الرئيس المقيم» الذي يستطيع المتابعة والتوجيه لشؤون الرابطة عاملاً أساسياً في انتخابه لهذه المهمة، لأن قسماً كبيراً من الأعضاء المؤسسين الأكفاء غير مقيم في دير عطية بسبب عمله الوظيفي.