Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أزمة تسويق الكتاب.. و حل الرجل الأعمى

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس:
ما زال الرجل الأعمى يعلق بكتفه جعبةً قماشية، يمد يده بحذر و يصيح: اشتر هذا الكتاب إنه من تأليفي الخاص.. يفعل ذلك بتنغيم خاص فيه من التحفيز و الرجاء، و بأداء يقترب من الترنيم.
كنت أحسب أن الرجل غاب، ربما مات أو أن الحرب أقصته؛ كما فعلت مع الكثيرين، إلاّ أنه في زيارتي الأخيرة لدمشق، أخبرني أحد الزملاء الكتاب في سياق كلامنا عن أزمة الكتاب، أن هناك رجل أعمى يقف عند زاوية أحد الشوارع و يردد العبارة السابقة.
 قلت: أعرفه كان يقف مقابل التأمينات الاجتماعية في أواخر تسعينات القرن الماضي، و هو ضرير.
قال: لقد غيّر مكانه الآن.
قلت: و لكن هل غيّر الكتاب؟
قال: لا أدري.
هذا الرجل كان موضوع أحد قصصي في مجموعتي القصصية الثانية (البطل في وقفته الأخيرة) و القصة بعنوان (كتاب الأعمى) و فيها تتعرض المدينة لهجوم من الجنوب يترافق بعاصفة غبارية، و يبقى هذا الرجل صامداً، يمد يده بكتابه و ينادي: اشتر هذا الكتاب إنه من تأليفي الخاص...
لم يكن الرجل يكل من النداء، مررت يوماً به مع أحد الأصدقاء، فاقترب منه بدافع الفضول، و عندما وجده أعمى قال له:
  •  كيف تقول أن الكتاب من تأليفك الخاص و أنت أعمى؟!.
حرّك الأعمى رأسه ببطء، و ابتسم ابتسامة أقرب إلى التكشيرة، التي لا بد أن يعقبها ردّ قد يكون مهيناً، و اتقاءً لذلك سارعت بالقول:
  •  و ماذا في الأمر، المعري كان أعمى و طه حسن...و بورخس..
  • أدار الأعمى وجهه نحوي و قال:
  •  حيّاك الله.. قل له، قل لهذا الغبي الذي يستغرب ذلك.. الجاهل الذي لا يعرف شيئاً.
لم أشتر الكتاب و لا أعرف مضمونه، رغم أني نويت مرات أن أفعل ذلك مراراً. غير أنه من الغريب أن يصمد هذا الكاتب كل هذه السنين و يصبر على بيع كتابه، و السؤال هل هناك من يشتريه الآن؟ إن كان الأمر كذلك؛ ربما علينا جميعاً أن نفعل مثله، نقف على زاوية شارع و نبسط بكتبنا، و نجد تيمة خاصة للنداء عليها، أو الاتفاق و التعاقد مع من يستطيع فعل ذلك و يبرع به. 
 قد يكون هذا هو الحل لأزمة النشر التي ما زال يُعقد عنها ندوات و ندوات, مما يساهم في إصدار ما كتبناه و صار عبئاً ثقيلاً علينا مع مرور الزمن، فأن يكون لديك مؤلف أو أكثر و لا يمكنك نشره؛ يعني أن تتوقف بعد فترة و تنظر إليه كأنه لم يعد لك، حتى و إن نشرته ربما ستحس أن أضحى كتاباً عاقاً لمرور وقت طويل على انجازك إياه.
 الأساس في أزمة النشر هو التسويق، فالكتاب (البياع) تسارع دور النشر لإصداره، و هناك كتب صدرت في طبعات و طبعات اعتماداً على أسماء مؤليفها الـ (ماشية) في السوق، و هذه الأزمة تتفاقم بعوامل عديدة، نتج عنها و ساهم فيها إغلاق المكتبات، و آخرها مكتبة نوبل في دمشق، و ضعف القوة الشرائية للمواطن، فشراء الكتاب صار ترفاً عند البعض، و حماقة عند البعض الآخر. 
و قد يكون ما يفعله هذا الكاتب الأعمى بديلاً معقولاً لحفلات التوقيع، التي يسودها المجاملة و يعقبها الكثير من النميمة، و التي يدعي البعض ممن حضر أنهم أُحرجوا بشراء الكتاب، رغم أنهم لبوا الدعوة دون إكراه، و من يحضر لا بد أن يشتري.. و يثني  على الكاتب و يمدح الكتاب ..في الحفل على الأقل. 
      
 

كن انت صاحب المقال!