Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"ميليس" اللبناني يقود بوسطة "عين الرمانة"

يحيى زيدو- خاص فينكس:

بينما كان ديتلف ميليس يختال في بيروت بلباس لبناني، ولهجة عكارية، بغطاء بطريركي، و دعم قواتي يتقدم قوى اليمين الانعزالي اللبناني، كان حزب الله يبطل مفعول أحداث "الطيونة" التي وقعت صباح الخميس، كما أبطل قبلها مفعول "فتنة" خلدة و "اعتراض" بلدة الشويا لصواريخ المقاومة.

المحقق العدلي طارق البيطار توهَّم أنه قادر على رسم المشهد السياسي اللبناني خالياً من حزب الله، بعد أن تقمص شخصية ديتلف ميليس، و حصل على الدعم الخارجي و الدعم الميلشياوي الداخلي لتنفيذ الأجندة التي كلف بها الفريق السياسي الذي ينتمي إليه.

كان المطلوب إعادة مشهد العام 2005 على أقل تقدير، من أجل تحشيد اللبنانيين خلف شعارات (حرية- سيادة- استقلال) بعد أن اتضح الجانب الوظيفي لها، خاصة وأنها شعارات تم تصنيعها في (ساتشي آند ساتشي) برعاية أمريكية وتمويل خليجي بغية الدخول في الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به "كوندليزا رايس" بعد احتلال العراق.

وفي حال الفشل، لا بأس من استعادة مشهد الحرب الأهلية، بوسطة عين الرمانة تم تأهيلها، و تعبئتها بوقود بطريركي عنوانه (الحياد)، أما "شوفور" البوسطة فهو سمير جعجع يعاونه صبي العدلية طارق البيطار.

ليست مصادفة تزامن وصول "فيكتوريا نولاند" نائبة (نائبة بالفعل) وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية إلى بيروت صباح الخميس المشؤوم، وليست مصادفة بدء إطلاق القناصة للنار على المعتصمين المدنيين في الوقت الذي كان فيه الرئيس اللبناني يجتمع مع نولاند.

هي الحرب على حزب الله إذن.. حزب الله بما ومن يمثل، بإمكاناته ودوره و موقعه و تحالفاته،من دون إغفال البعد الإقليمي للمعركة ضد حزب الله، ومن دون إغفال الإمكانات المتواضعة لـ"زعران" بيروت في الوقوف بوجه حزب الله.

"نولاند" أعلنت لدى وصولها أنها ستجتمع بنشطاء المجتمع المدني اللبناني، هؤلاء النشطاء ليسوا سوى "صبيان" السفارة الأمريكية بشكل خاص، و السفارتين الفرنسية و البريطانية بمستوى أقل قليلاً، الذين يتم توجيههم برسائل S. M. S لتنفيذ الوظيفة المحددة لكل منهم في إطار الأجندة الكلية لأمريكا و حلفائها.

"صبيان" السفارة هم رؤساء حكومات و وزراء و نواب و زعماء أحزاب مستعدون لفعل أي شيء يُطلب منهم مقابل حفنة من المال، أو منصب صغير.

بعض هؤلاء أراد أن يقدم أوراق اعتماده بالدم للمسؤولة الأمريكية، سمير جعجع ليس لديه أوراق اعتماد خالية من الدم، وكذا نوابه الذين اعتبروا أن ما حصل في الطيونة هو معركة بين من اعتبروهم (لبنانيين أحرار) وبين باقي اللبنانيين.. اللبنانيين بالفعل.

يدرك هؤلاء أن حسابات الدول الكبرى لا تتطابق مع حسابات الزعران في الزواريب السياسية، لكنهم يفعلون ما يؤمرون به.

أمريكا التي انسحبت من أفغانستان بطريقة أثارت الانتقاد، و جعلت الحلفاء يتلمسون رؤوسهم، بحاجة الآن إلى غبار سياسي لاستكمال انسحابها من المنطقة (ها هي تستعد لسحب الوحدات المكلفة بمهمات قتالية من العراق)، وقد يكون ذلك مقدمة لانسحاب مماثل من سورية، هنا على الأكراد أن يتلمسوا رأسهم، لأن تركيا لن ترحمهم، و لأنهم لن يجدوا المساندة من الحكومة السورية بسبب ما فعلوه منذ بداية الأزمة عام 2011.

قد يتساءل البعض ما علاقة هذا الأمر بما يجري في لبنان؟

السؤال مشروع، لكن لا بد من التذكير بأن ملفات المنطقة متداخلة و متشابكة من اليمن إلى العراق وسورية وفلسطين، وحتى إيران و أفغانستان. الولايات المتحدة التي قسمت المنطقة إلى مربعات سياسية، فرضت عدم العبث ببعض المربعات (إسرائيل ودول الخليج)، و العبث بحذر في البعض منها (العراق، ولعل الانتخابات النيابية الأخيرة خير مثال على العبث الحذر)، أما المربع السوري فإن المطلوب استمرار النزف فيه من أجل إنهائه، لأنه ما زال يمثل قلب محور المقاومة الذي يمنع تنفيذ صفقة القرن حتى الآن.

بطبيعة الحال صفقة القرن كانت محور لقاء وزراء خارجية أمريكا وإسرائيل والإمارات قبل أحداث الطيونة بيوم واحد، إنها بركات "اتفاقات إبراهام" التي سيؤدي مزيد من أعمال التطبيع فيها إلى تكريس صفقة القرن في النفوس قبل أن تتحقق على الأرض و في النصوص.

يبقى المربع السياسي اللبناني على دوره الوظيفي التاريخي كمختبر لفحص البول السياسي الدولي، من أجل معرفة العناصر الفاعلة، أو المثبطة، المؤثرة في تأخير الصياغة النهائية لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي ستخرج من رحمه صفقة القرن، التي ستعلن تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

حزب الله يعي أخطار ما يتم الإعداد له للبنان وللمنطقة عموماً، ولذلك يبتعد عن المعارك الجانبية ما أمكن حتى وإن تعارضت مع قناعاته (لم يناقش الحزب ما إذا كان الغاز الذي سيصل إلى لبنان عبر الخط العربي هو غاز اسرائيلي أم عربي)، لأن ذلك سيفتح معركة جانبية تستنزف طاقات من الأجدى صرفها في مكان آخر، خاصة وأن صهاريج الوقود الإيراني تجعل الحزب في غنى عن الغاز العربي و الإسرائيلي على السواء.

وكي لا نفقد البوصلة في تقييم ما حصل في الطيونة يوم الخميس الماضي، يكفي إلقاء نظرة على الإعلام الصهيوني الذي عبَّر عن فرحه العارم بما حصل صباح الخميس في بيروت، وكذلك الإعلام الخليجي و اللبناني الممول خليجياً وهو يقود الحملة ضد حزب الله، لكي نعلم بأن ما حصل في "الطيونة" كان محاولة لزيادة الطين السياسي بلَّة، بما يخلط الأوراق ويخلق الفتنة التي لا يعرف فيها الحق من الباطل ولا المبتدأ من الخبر.

ما حصل في بيروت هو اختبار كيفية إطلاق الغبار السياسي لتغطية الصفقات الكبيرة.. وربما المعارك الكبيرة.

فمعركة إدلب قادمة، و أمريكا مشغولة بحربها مع الصين، و الساحة اليوم تعطي لروسيا مساحة تجعل تركيا حذرة من اللعب فيها، و معركة فتح اوتستراد M4 قريبة، و قد تكون مقدمة لمعركة إدلب التي ستكون المحطة الأهم في الحرب السورية.

فهل ينجلي الغبار السياسي عن حلول واقعية لأزمات المنطقة، و منها الأزمة السورية، ام أن هذا الغبار سيكون مناسبة لتغطية الصفقات السرية بين المتدخلين في الشأن السوري؟

كن انت صاحب المقال!