Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قمة سوتشي.. تسوية ملفات أم احتواء استراتيجي

كتب عمر غفير- فينكس:

جاءت قمة سوتشي التي جمعت بين الرئيسين بوتين و أردوغان تحت وطأة جملة من الأحداث والمتغيرات الإقليمية ذات الارتداد الدولي لاسيما أن تلك المنطقة كانت عبر التاريخ المنظور ترسم أبعاد لأحداث دولية وأشكال لتحالفات مصلحية سياسية دولية وعالمية، وأنه بجملة هذه الأحداث الإقليمية تتقاطع فيها الحضور والنفوذ والمصلحة الروسية التركية إن كان على المستوى المباشر التكتيكي أو على المستوى الاستراتيجي، لقاء الرئيسين جاء على أعقاب انسحاب أمريكي غير واضح المعالم من أفغانستان وحدث الناقلات الإيرانية النفطية إلى لبنان والتقارب السوري الأردني الذي يمهد لتقارب عربي سوري يعيد سوريا للمنظومة العربية وهي ليس كما يشتهون بعض الأنظمة العربية أن يروها، فسوريا تعود منتصرة بكل أركانها متماسكة تدعوها الدول العربية للتعاون والشراكة من منطلق الحاجة إليها لا من منطلق كسر إرادتها و جرّها للحديقة الأمريكية كحصان مروض منكسر معزول الإرادة..

جاء اللقاء التشاوري الروسي التركي في لحظة غير عادية بعد انقطاع لمدة عام ونصف تقريباً منذ آخر لقاء عقد في آذار /2020/ لينتهي بدون مؤتمر صحفي يناقش فيه الرئيسان ما تمخض عن لقائهما مع وسائل الرأي العام المتنوعة وهذه إشارات ودلالات يجب الوقوف عندها لأنها فتحت المجال للكثير من الأقلام لتبدأ التحليل والاستشراف وربما التكهن بالواقع المقبل خصوصاً في الملفات المقاطعة بين الدولتين. ومن يقرأ زوايا التصريح الدبلوماسي للرئيسين عقب اللقاء يلامس بين سطور التصريحات عدم انسجام متباينة وعدم أريحية واضحة، فقد عبر الرئيس بوتين عن العلاقات الثنائية للبلدين (أنها تمر عبر أقنية من خلال المؤسسات وهي في تطور لكنه أضاف أنها تلاقي بعض التعثر ونحن نعمل على تلافيه)، الجزء الثاني من هذا التصريح ينسف الجزء الأول ويشتت معالمه وينذر انه بوقت قادم ستكون فيه علاقة البلدين بغير المستوى الجيد التي كانت عليه سابقاً، وأكد هذا الاستشراف تصريح آخر كان بمضمونه تأكيد وتطمين روسي بأن التبادل التجاري مستمر ومشروع خط الأنابيب "السيل التركي" لن يتوقف وهذا  يشير أنه لا توسع بالعلاقات ولا تطوير دون خطوات جادة وملموسة يقدمها التركي كأوراق اعتماد في عدد من الملفات الساخنة بالمنطقة كالملف السوري والليبي و الأوكراني…

يأتي تصريح أردوغان ليطابق ماقلناه في أنه السلام في سورية مرتبط بالعلاقات بين أنقرة وموسكو مؤكداً على أهمية التواصل في تسوية النزاعات في سورية وهذه الورقة التي حصل عليها الروس بالصياغة الدبلوماسية التركية لتترجم على الأرض فعلاً جاداً وكسباً للمزيد من الأوراق بالعديد من الملفات التي اشتبكت بها المصالح لكلا الدولتين، ويمكن أن نذهب لأبعد من ذلك ونقول أنه ربما يريد الروسي فرض إرادة روسية في العمق الاستراتيجي التركي مستغلاً بذلك واقع الأزمات الداخلية التركية وتخبط بالسياسة الخارجية الأمريكية بالمنطقة، وبالتالي يضمن الروسي مناطق نفوذه في المتوسط ويثبت أقدامه فيها ويسحب التركي باتجاهه أو يروض عنجهيته بالمنطقة مغازلاً إياه بمنظومة "إس 400" التي لم تغب عن الحديث في لقاء سوتشي وماغابت أبداً عن ألسنة كبار المسؤولين الأمريكيين بالكثير من تصريحاتهم.

سورية كانت الحاضرة الأهم في هذا اللقاء ولم تغب في تصريحات الرئيسين بل وكانت نقطة أساسية أولية تشكل مفتاح عقد اللقاء وتترجم مخرجاته بالنجاح أو الفشل فاليوم وسورية تتحرك بخط بياني تصاعدي دبلوماسياً في المنطقة بعد حصار وعزلة استمرت لأكثر من عشر سنوات ماضية، تأتي اليوم اللقاءات متعددة المستويات السورية الأردنية واللقاء السوري المصري على مستوى وزراء خارجية البلدين وانفتاح سريع غير مسبوق بملفات حيوية خدمية اقتصادية تتزامن مع توافقات سياسية تثبيت موعد عقد اجتماع اللجنة الدستورية بجنيف في 18 من تشرين الأول، سبق ذلك المساعي الروسية للتعاطي مع المجموعات الانفصالية بشمال شرق سورية بأدوات سياسية ربما تترجم إلى حل سياسي يؤكد فيه الضامن الروسي وحدة سورية واستقلالها وسيادتها.

بكل هذه الأوراق تُفاوض موسكو أنقرة بشمال وشمال شرق سورية لتعيده لتطبيق اتفاقيات عام 2018 المتعلقة بخفض التصعيد بإدلب التي تهرب منها كثيراً أردوغان ولكن لابد اليوم من تطبيق حل نهائي ومستدام في إدلب تكون أولى خطواته طريق M4 وصولاً لتكون كامل محافظة إدلب خالية من وجود التنظيمات الإرهابية، وهنا الدور التركي يكمن في رفع غطاء الدعم عن تلك الجماعات وتعزيز جهود أنقرة لبحث آليات العودة الآمنة للسوريين إلى ديارهم، بالمقابل أن يتم تنسيق الجهود الروسية التركية لإنهاء وجود التنظيمات الانفصالية التي تعتبرها أنقرة إرهابية في إشارة إلى "حزب العمال الكردستاني" و "وحدات حماية الشعب" المتواجدة على الحدود التركية وتعتبرها أنقرة تهديداً لأمنها القومي، وهذه الجهود تتزامن مع إنذارات أمريكية متكررة تفيد بالانسحاب الأمريكي من سورية وبالتالي سيتم ملأ هذا الفراغ ليس تركياً وإنما بقوات سورية تثبت مبدأ وحدة سورية ويعزز حضور و وجود الدولة السورية على كافة أراضيها.

لاشك أننا على مزيد من المستجدات والتطورات في المشهد السوري تكون لجهة كسب مزيد من أوراق القوة لصالح الدولة السورية التي استطاعت وبشكل لافت تثبيت معادلة راسخة في الحضور الإقليمي والدولي عبر محاربة الإرهاب ومقاومة الحصار الاقتصادي وتسوية النزاعات الداخلية وجنبها أن تمهد كل تلك العوامل لواقع ميداني وسياسي جديد أثبتته هذه المرحلة و ستثبته خطوات لاحقة ترسم بالصورة العامة حالة انتصار تكرست في الوجدان السوري وتعمقت به وأضحت اليوم تشبك خيوط المعادلة الإقليمية والدولية كيفما شاءت وحسب ماتريد… 

كن انت صاحب المقال!