Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أميركا وصورة القوة المتقهقرة

خاص- فينكس:
نجحت الولايات المتحدة الأمريكية منذ خروجها من عزلتها مابين الحربي العالميتين، وماشهده النظام الدولي بعد ذلك من بلورة منظومتين واحدة إشتراكية وثانية رأسمالية وصولا لانهيار إلى الاتحاد السوفيتي, من تقديم صورة ذهنية ونفسية للعالم بأنها القوة التي لاتقهر، وبإنه مجرد التفكير من قبل أي دولة بوجه المشاريع الأمريكية سيؤدي بها إلى الانهيار والتفكك وقد تتعرض لعدوان أو حرب مباشرة.

هذا الاعتقاد سعت الولايات المتحدة الأمريكية عبر مؤسساتها وحكوماتها وإدارتها من تكريسه وفق أسلوب كل رئيس وأجندات حزبه التي لم تختلف في رسم محددات الخارج تحت عناوين مختلفة تراوحت مابين "أميركا أولا أو القوة العظى الوحيدة أو التفوق الأمريكي أو الهيمنة المطلقة", ومما ساعد واشنطن على ذلك خلال عقود سابقة عوامل عديدة منها ماهو طبيعي أوجدته طبيعة العلاقات المتحولة التي شهدها المجتمع الدولي ومنها ماهو مصطنع, ابتدعت واشنطن في صنعه مستغلة تفوقها الصناعي والتكنولوجي وهيمنتها الاقتصادية وخروج معظم الدول في الحرب العالمية الثانية منهكة ومستنزفة من كل الجوانب, فسعت لاجتذاب المنظمات الدولية لأراضيها أو ساهمت بمعظم هذه المؤسسات, لتتحول لمركز إدارة النظام المؤسساتي الدولي من الناحية الإجرائية والتنفيذية, وفي ذات الوقت أسست مؤسسات مالية ونقدية وفق رؤيتها وتخضع لتأثيرها وتخدم توجهاتها الهيمنية ونجحت في السيطرة على الاقتصاد الدولي ومساراته ومعدلات نموه, مما انعكس على التحكم بمجريات الحياة الاقتصادية للدول عبر شبكة ربط دولارية تحدد مصير هذه الاقتصاديات, وفي ذات الوقت استغلت الظروف والأوضاع المتقلبة لخصومها وبخاصة من دول المعسكر الاشتراكي التي كانت تتسم بتناقضات من حيث القوة والمساحة والإمكانات, مما أتاح لها لخلق شرخ بدأت معالمه في الاتضاح في السبعينات من القرن الماضي عندما نجحت سياستها في دق إسفين الخلاف بين الجناحين الاشتركيين السوفيتي والصيني, وبحثت بشكل مستمر عن الدوافع والذرائع لتوسيع قوتها العسكرية والقواعد التي انتشرت وتوزعت على 93 دولة بعدد يفوق 189 قاعدة حول العالم.
كل هذا الجهد الأمريكي من ناحية والصورة التي أريد لها أن تقدم من ناحية أخرى, لم تنجح كثيرا في مساعدة أميركا, لعدة أسباب: ففي كثير من الأحيان كان هناك الكثير من الأخطاء الناجمة عن تلك الصورة التي سعت واشنطن لتكريسها ساهمت في دفع خصومها للمناوئة والوقوف ضدها وإيجاد آليات لمقاومتها, ومن صور تلك الأخطاء استخدام الحصار الاقتصادية بشكل مستمر في حال فشل القوة العسكرية من تحقيق أهدافها وخير دليل على ذلك كوبا والجمهورية الإسلامية الإيرانية, حيث رفضت الأولى منذ الستينات الخضوع للهيمنة الأمريكية ورغم قربها من واشنطن إلا إنها لم تنجح في احتلالها، ومازالت كوبا رغم المعاناة الاقتصادية وتداعياتها تستمر في مقاومة التوجهات الأمريكية وترفض رفع علم الاستسلام لها, وكذلك إيران التي أحدثت تورتها الإسلامية في عام 1979 هزة وصفت بالجيوستراتيجية وفق تعبير "هنري كسنجر" لم تقبل أن تعود كما كان نظام الشاه يقدم فروض الطاعة للأمريكان, وحددت مساراً لنفسها تضمن الحفاظ على استقلال قرارها وامتلاك مقدرات ذاتية تساعدها على ذلك ودعم حركات المقاومة في المنطقة, وهي بالرغم من كل العقوبات التي استخدمت ضدها تعتبر وفق تصنيف مراكز الدراسات الأمريكية من الدول العشرة الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية على مستوى المنطقة. أما الجانب العسكري والقوة المفرطة وامتلاك أسلحة نوعية متقدمة, لم تخدم المشروع الأمريكي منذ احتلال فيتنام واللجوء لسياسة الأرض المحروقة والتي جوبهت بإرادة التحرير من قبل المقاومة الفيتنامية وصولا للصورة المهينة التي رافقت الانسحاب الأمريكي من افغانستان.
من الأسباب التي أدت لفشل واشنطن في تكرس هيمنتها إن تقصدت نشر الفوضى في الدول إنطلاقا من اعتقادها إن هذه الفوضى التي توجد بسبب الإرهاب أو الفقر أو إدارتها ضمن أجيال الحروب الرابعة والخامسة, تخدمها في تكريس نفوذها على الدول عبر ممثلين لها داخل هذه الأنطمة أو أدوات تعبر عن توجهاتها.
ومما لم يكن ضمن حسابات واشنطن أيضا هو فقدانها على الهيمنة التكنولوجية والصناعية والاقتصادية, حيث شكل احتكارها لمراكز الدراسات وإغرائها للقول النيرة وتمويلها المغدق للأبحاث وسيلة ناجحة لاحتكار التكنولوجية وهو ما ظهر على مدى عقود سابقة وبخاصة مع غرق الاتحاد السوفيتي في مستنقع الأزمات الاقتصادية, فرض قيود على اليابان أن تكون تكنولوجياتها بمافيها العسكرية خاضعة للإشراف الأمريكي. وهذا المشهد الذي بدأ بالتحول من مطلع الألفية الجديدة أكثر ما أزعج واشنطن وبدأ يهدد هيمنتها الدولية ولعل أبرز صور الصراع التكنولوجي البارزة تمثل في فرض العقوبات الاقتصادية على الصين لمنع نشرها الجيل الخامس من الانترنت, وعدم الاعتراف باللقاحات الصينية الروسية لاعتبارات سياسية واقتصادية. 
 
الاعتقاد إن أميركا هي القوة التي لاتقهر هو اعتبار خاطئ بالطلق, فأميركا اليوم تشابه تماما الإمبراطوريات السابقة ولكن مع اختلاف التسمية والزمن والإمكانات ومصيرها في النهاية هو الإنهيار والزوال ولو كان بشكل تدريجي ومبكر الحديث عنه الآن, ولكن هيمنتها قهرت وتقهر بشكل مستمر, ومن أبرز صور القهر التي شعرت بها أميركا مؤخرا بعد افغانستان هو إن يتمكن حزب الله بعدده القليل من كسر الحصار الاقتصادي على لبنان بدعم من محور المقاومة, وإن يسقط الحدود السياسي الجغرافية التي سعت أميركا لتعميقها طائفيا بإدخال الحافلات أمام مرآى من كل الأسطول السادس المرابط في الخليج العرب والمتوسط. 

كن انت صاحب المقال!