Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحيادي... والرمادي!...

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

        من المصطلحات المتعارف عليها في علم الكهرباء والطاقة هو الحيادي، أو "الخط الحيادي"، أو النقطة الحيادية"، وما عرفه الفكر السياسي الإنساني فيما بعد الحرب العالمية الثانية هو دول عدم الانحياز، أو الدول الحيادية، التي لا تقع تحت سيطرة أو تأثير أو في مناطق أي من المعسكرين الغربي أو الشرقي المعروفين آنذاك، أو تدور في فلك أي منهما، وتحديداً ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة الأمريكية، والذي تزعمته الهند ومصر ويوغوسلافيا، ونظم عقد حوالي تسعاً وعشرين دولة، والذي كان قراراً حراً حكيماً لجهة سيادة البلدان واستقلال قرارها السياسي الداخلي والخارجي والتخفف من تبعات الحرب الباردة بين الطرفين الأعظمين في العالم...

ومن المعروف أن من يلتزم الحياد، أي لدرجة "الصمت" عن قول الحق وتبيان الحقيقة، فيعيش مع الجميع إلا مع نفسه، فهذا خطر الخطر على المجتمعات الإنسانية

فإذا كانت نقطة الحياد والحيادي التي ينسب إليها مركز توازن ومرجعية لنظام الطاقة، وإذا كانت حركة "عدم الانحياز" الحيادية عن الانضواء تحت لواء أي من الفريقين الدوليين وحلفائهما، لجهة استقلال القرار والمرجعية السيادية والسياسية، فإن الحياد في الثقافة والموقف الثقافي والأخلاقي العام للمثقف لهو أمر مثير للريبة والشك بل وللتهمة...

ما بدأ يثير ريبتي، وأستشعر منه القلق، هو سكوت المثقف عن إعلان الموقف الواضح الناصع الحق، بل و دير له ظهره، أو يتعامى عنه، أو يمرره، ولو شاء ألا يحيد عن الحق لأعلى صوته ولو دفع الثمن غالياً..

بل ما بدأ يثير النفور العام، هو تطويع المثقف لنفسه، مع جميع أنواع المواقف من أقصى اليمين إلى أشد اليسار، لدرجة أن موقفه في إعلان كلمة الحق والموقف الواضح الصريح الصادق المعلن قد يعتق رقبة، أو يوضح حقاً، أو ينتشل غريقاً.. أو يوقف انهياراً أو محنة ما... لكنه لا يعلنه بل ويسكت عنه، بل يعلن عكسه أمام الملأ، أما في قرارة نفسه وفي مجالسه الشخصية الخاصة فهو يقول الحق لكنه يجهر ويصرح بأنه قال العكس مخافة إغضاب فلان أو خسارة فلان آخر من الناس وتحديداً من الوسط نفسه لدرجة وصلنا لحالتنا الكارثية المدمرة هذه وهي الرمادي...

ما بدأنا بملاحظته ولفت النظر إليه، من أدباء وكتاب ومثقفين هي حالة التدجين تلك، في حين وقبل عقود قريبة، كنا قد ترعرعنا على مواقفهم الناصعة، وعلى نهجهم وحسهم السليم في قول الحق والجهر به، وإيصال ذوي الجدارة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، ودعمهم، والشد على قلوبهم، ليكونوا حلقة قوية في المشهد الثقافي والإنساني والوطني العام، لكنهم باتوا كغيرهم، إلا ما رحم ربك، وضاعت صرخة الصادقين لدرجة لا تكاد تميزهم في هذا اللون الرمادي العام، أو الساكتين عن الحق، أو عن المدجنين، أو أصحاب العاهات الثقافية الذين لا ظل لهم على الأرض ولا لمسة تذكر في هذا المحفل الثقافي أو ذاك سوى "ربي أسألك نفسي"، والتزام الصمت الذي يثير الريبة، والحياد الذي يجعل الشك في الحق نفسه موضع شك، بل وملاينتهم وممالأتهم للعديد من ذوي المواقع، فهم يعلمون فلاناً ويدركون ومدى جدارته، بل ويرون عيوبه وأخطاءه، فإذا ما دعاهم إلى استشارة أو مشاركة أو إبداء رأي أو الانخراط في عمل مشترك حتى يسارعوا إلى القبول به على ضعفه ووهنه وعيوبه، فيستوون معه مستوى وسوية، وينحدرون إلى مشتركاتهم معه، فيبدو في سويتهم مرتفعاً ويبدون في سويته هابطين...

ترى هل يئس المثقف الحقيقي من حالة الانحطاط العامة، والرماد المخيم الذي خلفته تلك العاصفة المدمرة التي عصفت بنا منذ عقد من الزمن، لدرجة أنه بتمحيص دقيق بسيط يتضح لنا أن هذا النوع من المثقفين كان مساهماً وشريكاً في نشوء وبوادر تلك العاصفة، والتي أخذته وأخذت البلاد والعباد في دوامتها التي لا يقدر أحد منفرداً الخروج منها حتى حين...؟

ترى هلا واجه المثقفون أنفسهم، وصارحوا بعضهم البعض، والتأموا فائتمروا ووضعوا حدا لهذا السيل الجارف وهذا السواد الأعظم من الرماد؟

ألا تستحق أوطاننا منا وقفة مكاشفة وصدق مع الذات والذات أولاً، ثم مع المجتمع لكي نضع النقاط على الحروف، وأسس البدء بانطلاقة جديرة واعية تفرز الغث من الثمين والجيد من الرديء...

لا زلنا ننتظر نقطة البدء وإعلان الشرارة لعقد ثقافي جديد ووطني جامع لنهضة جمعية، نواتها خيرة المثقفين والكتاب والأقلام والأدمغة والأيادي الجديرة والقلوب التي تلف الوطن بقلب واحد بجميع أبنائه وذرات ترابه وألوان علمه...