عندما سيأتيني الموت في يوم عادي
شعبان عبود
سيأتيني الموتُ في يومٍ عادي، سيغدر بي وأنا في منتصفِ الطريق.
سيأتيني قبل أن أقولَ كلّ ما لديّ، يا إلهي كيف مرّ كل هذا العُمر ولم أقل كل ما أريد وأحب أن أقوله؟
سيأتيني الموتُ في يوم عادي، سيغدر بي وأنا في منتصف الطريق، قبل أن أصلح النافذة، قبل أن اشتري بطاريات جديدة لجهاز التحكم. وربما، قبل أن أغسل وجهي وأمشّطَ شعري وأشرب قهوتي.
قبل أن أقود سيارتي وحيداً في إجازة طويلة وأعبر كل الولايات الأميركية، قبل أن أزور إسبانيا، وقبل أن أرى دمشق مرة أخرى.
سيأتيني الموتُ في يوم عادي، سيغدر بي وأنا في منتصف الطريق، قبل أن التقي بك مرة أخرى، قبل أن التقي بالذين أحبهم، قبل أن أقول لصديقي: شكراً أنا ممتن لك.
وللذي خذلني: لا بأس لا أحمل أي ضغينة في قلبي..
قبل أن أقول لك: أحبك. قبل أن أقول لك: كم أنت جميلة..
سيأتيني الموتُ في يوم عادي، سيغدر بي وأنا في منتصف الطريق، قبل أن أجد وقتاً لأجلس على النافذة، وأصغي لصوت المطر. أكثر شيء أحببته على هذه الأرض هو المطر.
سيأتيني قبل أن أمشي مجددا على الطرقات الترابية في “بنّش”، قبل أن أرى ثانية سهول القمح فيها، الفلاحين، وكروم الزيتون وموسم قطاف الزيتون..
سيأتيني الموتُ في يوم عادي جداً، سيغدر بي وأنا في منتصف الطريق، بينما لدي أفكار ومشاريع وخططا لم تكتمل: قبل أن أنفذ وعدي بالاقلاع عن الصحافة والسياسة والقضايا الكبرى، والتفت فقط للقضايا الصغيرة.
كأن أبني منزلا صغيراً فيه وردٌ كثير وكلب ودجاجات. منزلٌ بعيد عن كل البيوت، بعيد عن كل الناس.. لقد تعبت جداً من المدن الكبيرة. لقد تعبتُ جدا من الحداثة والعالم المتقدم والهاتف المحمول والفواتير وصندوق البريد الإلكتروني وكلمات السر.
سيأتيني الموتُ في يوم عادي جداً، وسأمضي مثل كل الذين ماتوا، مثل أية ذرة غبار، وكأن شيئا لم يكن، وكأنهم لم يكونوا ، وكأني لم أكن.
سيأتيني الموت في يوم عاديّ جداً، فيما الجميع سيكمل طريقه ويمضي يومه كالمعتاد..
سيأتيني الموتُ في يومٍ عادي جداً، سيغدر بي وأنا في منتصفِ الطريق..