الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
فراس حمدون
تنمية حقيقية أم إسمنت يمتص الثروة؟
عندما تمر الدول بمراحل التعافي الاقتصادي وتواجه تحدي إعادة بناء قدراتها الإنتاجية، تتجه بوصلة رأس المال الخاص غالباً نحو المشاريع الاستثمارية العقارية والمجمعات الفاخرة.
وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل طغيان الاستثمار العقاري يضع الاقتصاد على الطريق الصحيح، أم أنه يمثل خللاً هيكلياً يحول دون التنمية الحقيقية؟
رؤية "النمور الآسيوية": لماذا يُصنف العقار كـ "رأس مال غير منتج"؟
خلال طفرة "النمور الآسيوية" (مثل سنغافورة، كوريا الجنوبية، تايوان، وهونغ كونغ) ثم "أشبال النمور" (ماليزيا، تايلاند، إندونيسيا)،
تبنت هذه الدول نموذجاً تنموياً قائماً على التصنيع والتصدير . وفي هذا النموذج، يُنظر إلى رأس المال على أنه أداة يجب توجيهها للقطاعات الإنتاجية (التكنولوجيا، المصانع، البنية التحتية، والابتكار).
يرى الاقتصاديون في هذه الدول أن التوسع المفرط في الاستثمار العقاري الخاص يمثل معضلة هيكلية تُعرف بـ "رأس المال غير المنتج"، وهو "يمتص" المال ولا يولده، وذلك للأسباب التالية:
1-امتصاص السيولة: العقارات تعمل كـ "إسفنجة" تمتص المدخرات ورؤوس الأموال الاستثمارية. عندما يجد المستثمرون والبنك أن شراء وتطوير الأراضي يدر أرباحاً سريعة وسهلة، تتجه الأموال إلى الإسمنت بدلاً من الذهاب إلى البحث والتطوير أو دعم الشركات الناشئة والصناعية.
2- توليد الثروة المؤقت والمستدام: العقار يولد قيمة "دفترية" مؤقتة (فقاعة أسعار) لكنه لا يخلق فرص عمل مستدامة عالية الدخل، ولا ينتج سلعاً يمكن تصديرها للخارج لجلب العملة الصعبة بمجرد اكتمال البناء.
3- الدرْس القاسي لعام 1997: تأكدت هذه الرؤية تماماً خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. فقبل الأزمة، تدفقت أموال هائلة (خاصة من اليابان والغرب) نحو المضاربات العقارية وبناء ناطحات السحاب الفاخرة والمجمعات التجارية في بانكوك وكوالالمبور. عندما انفجرت الفقاعة العقارية،
انهارت البنوك التي أقرضت هذه المشاريع، وتهاوت العملات المحلية، مما أثبت أن العقار كان "قنبلة موقوتة" امتصت ثروات البلاد وعطلت الإنتاج الحقيقي.
الخلاصة:
نمو العقارات الفاخرة والمضاربات بشكل أسرع من قطاع التصنيع والتكنولوجيا هو مؤشر خطر يُنذر بالتراجع الاقتصادي وفقدان التنافسية.
كيف تجنبت سنغافورة فخ العقارات لتصبح أقوى النمور الآسيوية؟
نجحت سنغافورة في صياغة واحدة من أعجب التجارب الاقتصادية في العالم؛ فبينما كانت جاراتها من "أشبال النمور" (مثل ماليزيا وتايلاند) تترك قطاع العقارات للمضاربات الحرة التي أدت لاحقاً إلى كارثة 1997،
أدركت سنغافورة مبكراً بقيادة مؤسسها "لي كوان يو" أن بلداً بلا موارد طبيعية ومساحته الجغرافية صغيرة جداً، لا يملك ترف تحويل أراضيه إلى أداة للمضاربة الورقية.
لذلك، ابتكرت سنغافورة معادلة صارمة تفصل تماماً بين "العقار كحاجة إنسانية واستقرار اجتماعي" وبين "العقار كأداة استثمارية"، وذلك عبر ثلاث ركائز أساسية:
1. تأميم الأرض لكسر الاحتكار والمضاربة
في الستينيات، أصدرت الحكومة قانون استملاك الأراضي، والذي سمح للدولة بشراء الأراضي بأسعار تفرضها الحكومة لإقامة مشاريع النفع العام.
ونتيجة لذلك، أصبحت الحكومة تمتلك اليوم أكثر من 80% من الأراضي في سنغافورة. هذا التحكم منع "حيتان العقارات" من احتكار الأراضي ورفع أسعارها بشكل جنوني، وحرم السوق من وقود المضاربة الأساسي.
2. مجلس التطوير الإسكاني والادخار الإجباري
أنشأت الدولة "مجلس التطوير الإسكاني، وهو المطور العقاري الأكبر في البلاد. هذا المجلس لا يبني بهدف الربح، بل يبني شققاً سكنية مدعومة للمواطنين.
يتم التمويل عبر "صندوق الادخار المركزي"، وهو نظام ادخار إجباري يُقتطع من راتب كل موظف ومن صاحب العمل.
النتيجة: بدلاً من ذهاب مدخرات الشعب إلى البنوك الخاصة لتقرضها للمطورين العقاريين لبناء أبراج فاخرة، يتم توجيه المدخرات إجبارياً لشراء شقق مدعومة من الدولة.
اليوم، يعيش نحو 80% من مواطني سنغافورة في شقق حكومية يمتلكونها بعقود طويلة الأجل (99 عاماً).
3. الضرائب العقارية الخانقة ضد "الأموال الساخنة"
إذا أراد مستثمر أجنبي أو محلي شراء عقار في سنغافورة خارج المنظومة الحكومية (في السوق الخاص الفاخر)، فإنه يواجه جداراً من الضرائب و الرسوم الإضافية للمشتري .
لدرجة أن الحكومة رفعت هذه الرسوم للمشترين الأجانب إلى 60% من قيمة العقار.
إذا اشترى مستثمر أجنبي عقاراً بقيمة مليون دولار، فعليه دفع 600 ألف دولار ضريبة فورية للدولة.
الهدف: جعل الاستثمار العقاري "غير جاذب ماليًا" للمضاربين، وتطفيش الأموال الساخنة التي تبحث عن ربح سريع دون قيمة مضافة.
أين ذهبت الأموال إذن؟
عندما أغلق "لي كوان يو" والحكومة السنغافورية باب الثراء السريع عبر العقارات، لم يجد رأس المال الخاص (المحلي والأجنبي) مفراً من التوجه نحو القطاعات الإنتاجية التي تدعمها الدولة بقوة:
الصناعات المتقدمة: تكرير النفط، الكيماويات، والإلكترونيات الدقيقة.
البنية التحتية اللوجستية: بناء واحد من أكبر الموانئ والمطارات في العالم.
الابتكار والبحث العلمي: تقديم إعفاءات ضريبية هائلة للشركات التي تفتح مراكز أبحاث وتطوير وليس لشركات المقاولات.
خاتمة: كواليس الاستملاك السنغافوري.. الثمن الباهظ للتنمية
لم يكن طريق تأميم الأراضي في سنغافورة سهلاً، بل تم فرض قسري عبر قانون استملاك الأراضي لعام 1966. وبموجب هذا القانون، انتزعت الدولة الملكيات الخاصة بـ تعويضات غير عادلة ومجحفة ماليًا؛
حيث قُدّرت قيمتها بناءً على وضع الأرض الأصلي قبل التطوير. والأكثر من ذلك، تم تجميد الأسعار رسمياً لسنوات طويلة، فكان الملاك في الثمانينيات يُعوّضون بأسعار عام 1973 الزهيدة.
أثار هذا الإجراء اعتراضات قانونية واسعة وخيبة أمل كبرى، ولجأ آلاف المتضررين للقضاء ومجالس الاستئناف طعناً في التقديرات المالية.
ومع ذلك، لم تشهد البلاد مظاهرات في الشوارع نظراً للقبضة الأمنية الصارمة، وذكاء الحكومة في احتواء الغضب عبر النقل الفوري لسكان العشوائيات والمزارعين إلى شقق الإسكان الحكومي الحديثة وبأسعار مدعومة.
لقد كان القانون أداة قسرية جردت الملاك وحيتان العقارات من أرباحهم لصالح التنمية الشاملة للمجتمع، كأحد أثمان بناء سنغافورة الحديثة.