أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
فراس حمدون
واقع الاستثمار العقاري في سوريا بين رفاهية الأبراج و الـ "أربعة جدران"
- جدلية "أحلام دبي" فوق ركام الواقع السوري:
تعيش عملية إعادة الإعمار في سوريا اليوم تناقضاً بنيوياً صارخاً يقع بين الخيال والواقع، وبين النظرية والتطبيق (يفهمه حتى المواطن العادي و ليس الاقتصادي المتخصص)،
فمن جهة، تقف الشريحة الأوسع من الشعب السوري مواجهةً واقعاً مريراً عنوانه البحث عن "أربعة جدران وسقف" يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء،
بعد أن دمرت الحرب منازلهم أو دفعتهم نحو خيام اللجوء والنزوح، أو العيش فوق أطلال بيوتهم المنهارة، او من باعوا بيوتهم خلال السنوات السابقة لاسباب متعددة، و يرغبون بالعودة و الاستقرار، ليجدوا صراع مع واقع الارتفاع الجنوني في عروض الإيجار للشقق.
ومن جهة أخرى، يطالعنا مشهد استثماري عقاري منفصل تماماً عن هذا الواقع، يلهث وراء تشييد أبراج سكنية فاخرة ومجمعات مغلقة تحاكي "أحلام دبي" ومبادئ الرفاهية والعيش الراقي لمواطن القرن الحادي والعشرين،
حيث تتجاوز قيمة الشقة الواحدة فيها حاجز الـ 300,000$. إن هذا التناقض الصارخ بين الشقة منخفضة التكاليف الموجهة لإنقاذ البشر،
والشقة مرتفعة التكاليف الموجهة لمضاعفة ثروات قلة من المستثمرين، و تلبية طموحات طبقة ثرية يدعو إلى التساؤل الجدي حول فقه ترتيب الأولويات في بلد يخرج من أتون حرب طاحنة.
فكيف يمكن تفكيك هذا العبث العقاري؟
المحور الأول: المقاربة الرقمية للشقة الأساسية (النموذج الفعلي والعملي):
يبدأ الاستثمار العقاري الوطني والواقعي من دراسة القدرة الشرائية المتهالكة للمواطن، وتوجيه رأس المال لتلبية الحاجة له أولاً،
قبل التفكير في المظاهر الخادعة. ويقوم هذا على طرح نموذج "الشقة الأساسية" بكلفة إجمالية تتراوح بين 30,000$ إلى 40,000$ فقط كحد اعلى.
وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، يجب أن تذهب شروط الرفاهية ومبادئ العيش الفخم إلى الجحيم. لا ضير أبداً إن تم تسليم الشقة للمواطن بباب خارجي متين يحفظ خصوصيته، وبدون أبواب داخلية أو إكساء فاخر.
فالمواطن الذي اختبر قسوة المخيمات لسنوات يبحث عن جدران تؤويه، وليس عن أرضيات رخامية وديكورات مبالغ فيها.
ولضمان تدفق الرساميل وعدم توقف عجلة البناء، يحدد النموذج ربحاً عادلاً للمستثمر بنسبة 10% من القيمة النهائية للشقة (أي حوالي 3,000$ إلى 4,000$ كربح صافٍ).
هذا الهامش يحمي المستهلك من الجشع، ويضمن للمستثمر دورة رأس مال سريعة ومستدامة. إن النموذج المقترح لا يتطلب شركات قابضة عابرة للقارات، بل يعتمد على سياسة إعادة إحياء نموذج "المستثمر الشعبي"؛
"المستثمر الشعبي" هو ذاك المقاول المحلي الذي عهده السوريون تاريخياً، حيث يقوم بشراء قطعة الأرض والبدء بالبناء بالاعتماد على ثقة البيئة المحلية عبر نظام البيع على المخطط.
يساهم المواطن في التمويل تدريجياً والمستثمر يبني، مما يخلق دورة رأس مال تشاركية وطنية خالصة، تكسر احتكار الحيتان العقارية وتتيح البناء بكلف حقيقية دون تضخيم.
المحور الثاني: نقد الأولويات المشوهة (لمن تُبنى هذه الأبراج؟):
لسنا هنا بصدد إنكار حق أي مواطن يملك فائضاً من المال في أن ينعم بعيشة هانئة ورغيدة، فهذا حق طبيعي ومشروع في أي نظام اقتصادي.
ولكن السؤال الاقتصادي والسيادي الجوهري هنا هو:
ما هي نسبة هؤلاء الميسورين من الشعب السوري اليوم؟
وهل تلبية مطالبهم المحقة هي الأولوية لدولة تبحث عن أربعة جدران لأبنائها؟
إن التكلفة الفلكية لشقة واحدة في تلك الأبراج (300,000$ فما فوق) تعادل في الحسابات الاقتصادية ثمن بناء مبنى كامل مؤلف من 10 شقق متوسطة لأصحاب الدخل المحدود والمهجرين.
بناءً عليه، فإن توجيه الموارد الشحيحة (من إسمنت وحديد وطاقة) نحو الأبراج الفاخرة هو جريمة اقتصادية واجتماعية تكرّس التمايز الطبقي، وتترك الغالبية العظمى دون مأوى حقيقي.
المحور الثالث: جدلية الأمن والاستقرار وسلوك رأس المال:
يتشدق الكثير من الفاعلين الاقتصاديين بشعار "الأمن والاستقرار أولاً" كمبرر لغياب المشاريع الحقيقية. والجميع مع هذا الشعار قلباً وقالباً،
لكن سلوك مستثمري الأبراج يناقض هذا الانتماء تماماً؛
أولاً، مستثمر العقار الفاخر الطفيلي يبني للأثرياء، ويحقق أرباحاً بمئات آلاف الدولارات،
ثم يسارع إلى تهريب هذه الأرباح وتسييلها إلى الخارج بحجة أن البلد ما زال غير مستقر أمنياً، فهو يستغل موارد البلد لتعظيم ثروته الشخصية وتأمينها في عواصم أخرى.
ثانياً، المستثمر العقاري الشعبي الوطني وهو المستثمر الذي يبني للفقراء بمبالغ بسيطة وأرباح منطقية. هذا المستثمر غارق في تفاصيل السوق المحلية؛ يحاسب عماله يومياً، يشتري مواد البناء المحلية، وتتحرك أمواله داخل الشرايين الاقتصادية السورية.
هذا المستثمر لا يعلم ولا يسعى لمعرفة كيفية إخراج أمواله من سوق العمل السورية؛ لأن ثقته ببلده تترجمها مشاريعه على الأرض.
المحور الرابع: الأثر الاقتصادي للمستثمر الوطني والاحتفاء به:
إن الشقق السكنية البسيطة هي بضاعة وطنية بامتياز، تشكل زيادة حقيقية في حجم الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر كل الدعم ل الليرة السورية،
لأن تكاليفها تذهب للداخل وتشغل آلاف الأيدي العاملة المحلية. لذلك، فإن المستثمر الوطني الذي يقبل بهامش ربح (10%) ويوجه جهده للبناء الشعبي،
يستحق أن نرفع له القبعة احتراماً، بل ويستحق من الدولة والمجتمع تكريماً استثنائياً لأنه يفتح بيوت أصحاب المهن الحرة مثل البناء والحدادة والنجارة والتمديدات الصحية،
ويدعم مصانع المواد الأولية المحلية كالإسمنت والرمل والبلوك و الحجر والأسلاك، ويساهم مباشرة في خفض أسعار العقارات؛
فزيادة المعروض من الشقق الرخيصة ستؤدي حتماً لتراجع الطلب على الإيجارات الجنونية، وبدلاً من دفع إيجار مستمر بلا طائل، يقوم المواطن بدفع قسط ينتهي بتملكه للمنزل.
المحور الخامس: الإسقاط التاريخي والتجربة المحلية:
ويظهر التاريخ العالمي والمحلي نجاعة هذا النهج:
فعالمياً وعقب الحرب العالمية الثانية، واجه الاتحاد السوفيتي دماراً شاملاً وملايين المشردين في طقس قاتل. ورغم أن الأيديولوجيا الاشتراكية كانت تفرض ملكية الدولة لكل شيء،
إلا أن القيادة لم تفكر مطلقاً في بناء صروح فخمة أو مظاهر معمارية باهرة. بدلاً من ذلك، تم ابتكار ما عُرف بأبنية "الخروشوفكا" (Хрущёвка) أو Сталинка (ستالينكا) من ستالين.
وهي أبنية سكنية مسبقة الصنع، بالغة البساطة، وُصفت تهكماً بأنها أبنية تشبه العلب وشقق تشبه الكراتين لضيق مساحتها وخلوها التام من الزخارف.
ولكن هذه الكراتين حفظت كرامة الناس، وآوت الملايين من البرد الشديد، ومنحتهم بيوتاً مستقلة مستورة بأسرع وقت وأقل كلفة ممكنة للدولة.
وانطلاقاً من هذا الاستقرار النفسي والجسدي للمواطن، فهموا أن كرامة الإنسان في سترة جسده وعائلته، وليست في فخامة واجهات البناء.
ومحلياً، فإن تجربة السكن منخفض التكلفة ليست غريبة على الهوية الاقتصادية السورية؛ فقطاع الجمعيات التعاونية السكنية كان تاريخياً هو الرافعة الأساسية التي أمنت السكن للكثيرين من الموظفين والعاملين في العقود الماضية. إعادة تفعيل وتحديث هذا الفكر التعاوني.
و اليوم، هناك حاجة لاستدعاء آلية سورية مجربة أثبتت نجاحها قبل أن تلتهمها عقلية المضاربات التجارية الفاخرة.
المحور السادس: واجب الدولة والبلديات:
المشكلة الأساسية التي ترفع أسعار البيوت ليست كلفة مواد البناء كالإسمنت والحديد و جشع المستثمرين، بل هي الارتفاع الجنوني في أسعار الأراضي.
إن إدراج السكن الشعبي كبند إلزامي وثابت في المخططات التنظيمية هو خط دفاع أول عن الهوية الديموغرافية والاجتماعية للمدن السورية، وبدونه تتحول الإدارات المحلية من جهات ناظمة للأمن الاجتماعي إلى شريك غير مباشر في تعميق أزمة السكن وتشريد المتضررين.
ولحل هذه المشكلة، يجب على الدولة والبلديات التدخل عبر نقطتين:
الأولى هي تأمين السكن الشعبي عبر فرض القوانين والأنظمة عند إصدار أي مخطط تنظيمي للمدن لتأمين مساحات كافية وبحصص إلزامية لبناء سكن شعبي وجمعيات سكنية، بدلاً من ترك الأراضي كلها لتجارة الأبراج الفاخرة.
والثانية هي تأمين الأراضي بأسعار رمزية بأن تقوم البلديات بتقديم أراضي الدولة والمشاعات المنظمة المدعومة بالماء والكهرباء والصرف الصحي للمستثمرين الوطنيين والجمعيات بأسعار الكلفة،
مقابل شرط قانوني يمنعهم من رفع أسعار الشقق على المواطن. والنتيجة أن واجب الدولة هنا هو كسر احتكار تجار الأراضي، لتوجيه الدعم مباشرة إلى سِتر العائلات المتضررة وحماية الأمن الاجتماعي.
خاتمة: إن الاستمرار في سياسة العبث العقاري وبناء جزر معزولة من الأبراج الفاخرة هو تكريس لآثار الحرب وليس علاجاً لها.
المفارقة المؤلمة أن دولة كالاتحاد السوفيتي بكل جبروتها ومواردها اختارت لكرامة شعبها العلب الخرسانية البسيطة،
بينما في واقعنا السوري، يُترك المشرد في مخيمه، والعائد فوق ركام بيته، لتُوجه أموال الاستثمار لبناء ناطحات سحاب لا يستطيع 90% من الشعب حتى الحلم بدخولها.
إن ترك السوريين في المخيمات وفوق الأنقاض بينما ترتفع الأبراج العاجية بجانبهم، ليس خللاً اقتصادياً فحسب،
بل هو قنبلة موقوتة تهدد الأمن الاجتماعي والجنائي للبلاد قد تبدء بالظهور.
تأمين السكن البسيط هو تحصين للمجتمع من التفكك، فالإنسان الذي يملك سقفاً وأربعة جدران يصبح شريكاً في الحفاظ على أمن بلده واستقرارها.
وبناءً عليه فإن المطلوب والموصى به يتلخص في:
أولاً، الوقف الفوري والكامل لتراخيص الأبراج والمجمعات الفاخرة حتى يتم تأمين الحد الأدنى من السكن للمتضررين، حتى لا يكون على حسابهم.
ثانياً، تقديم حوافز وتسهيلات وإعفاءات ضريبية كاملة لأي مستثمر محلي يلتزم بنموذج الشقة الأساسية التي تتراوح بين 30 إلى 40 ألف دولار وبهامش ربح 10%.
ثالثاً، تفعيل دور المصارف لتقديم قروض ميسرة وطويلة الأجل للمواطنين لشراء هذه الشقق، بحيث يتحول قسط الإيجار المهدور إلى قسط تملك يحفظ كرامة العائلة السورية.
إن المفهوم الحقيقي والوحيد لإعادة الإعمار يبدأ من فكرة أن أربعة جدران وباباً خارجياً يستر عائلة سورية تهجرت، هو أكثر وطنية، وأبقى للاقتصاد، وأطهر للبلاد من كل أبراج الدنيا الفاخرة.