حازم مبيضين: "سنّي في البلاط الشيعي".. (المقدمة)- ح1

ينشر "فينكس", عبر حلقات, كتاب "سُنّي في البلاط الشيعي", وهو مخطوط للكاتب والصحفي الأردني المخضرم حازم مبيضين.

الإهداء

إلى أصدقائي ياسين النصير والدكتور خالد السلطاني وإلى روح سامي شورش وجلال الماشطه وممدوح عدوان، بكل المحبة والتواضع وقد تعلمت منكم الكثير.

حازم

مقدمة أولى

أعرف أن ما اجتهدت في عرضه سيُسبّب لي صُداعاً عند كثيرين، وأولهم أبناء طائفتي "السنية"، الذين سيعتبرونني خارجاً عن الملة، وليس آخرهم بعض أصدقائي الشيعة الذين لن يعجبهم حيادي، وبين هؤلاء وأولئك من يرون فيما بذلت جهداً ضائعاً، بسبب الوضع البائس الراهن، لكن ما يريح ضميري وعقلي أنني سعيت جاهداً للبحث عن الحقيقة علّها تُنير بعض العقول.

مقدمة ثانية

لايخلو حديثٌ عن الطائفية من ذمّها، باعتبارها مقيتة وضارة ومكروهة، رغم أنّها صفةٌ أصيلةٌ في كُل واحد منّا، والطائفية كتلة من الغرائز الهوجاء، وليست كتلةً من الأفكار إطلاقاً، والمُهم أنّها في كل الأحوال تأتي نتيجة التحريض الخارجي، حيث يُلغي الطائفي عقله ويسمح لآخرين بالتفكير بدلاً عنه، ويسمح لهم بأن يكونوا وسطاء بينه وبين خالقه، مع أنّه لا ضرورة لتوفر وسيط يُفهّمه بحجة أنه أعقل منه وأفهم، ذلك أن هؤلاء الأوصياء اخترعوا لنا إلهاً آخر يُشبههم، ويحاسب الناس بناءً على مظهرهم، يحب الدماء لأنه إله صنعته مُخيّلتهم المريضة، مع أنه لا يوجد إله نتقرّب إليه بالقرابين والدماء وسحق الناس وتفجير منازلهم وجزّ رؤوسهم ونسف أجسادهم، لأنه إله من صنعهم يتحرك وفق مصالحهم، وهي سياسية في الغالب الأعم.

في أيامنا هذه يتشبّه الكثير من أبناء هذه المنطقة بطائر النعام، من حيث توهم الهروب من الخطر الداهم، بدفن الرأس في الرمال، وهكذا فإن إنكار أن الطائفية تتسيد المشهد بكل سوداوية، لايُلغي حقيقة أنها تستفحل يومياً، وأن لها جنوداً يؤججون نارها، ومفتين بعمائم بيضاء وخضراء وسوداء ينفخون في كيرها، ويستحضرون أبشع ما في تاريخ الإسلام لدعم فتاويهم، وأن هناك سياسيين يعزفون على وترها لتعظيم سلطتهم وهيمنتهم، من خلال كسب تأييد البسطاء من العامة، المُستعدين للدفاع عن ما يعتقدونه مقدساتهم، وأن هناك تجار حروب لايبالون بموت الأبرياء من الناس، ما دام ذلك يُروّج تجارتهم النجسة، ويضاعف أرصدتهم الحرام.

في عالمنا العربي وجواره الذي اتصل بالدين الإسلامي، طائفتان رئيسيتان، هما "السنة والشيعة"، تؤمنان بالله الواحد والرسالة المحمدية، لكنّهما في صراع مستمر منذ أكثر من 1400 سنة، وهو ابتدأ سياسياً ويستمر كذلك، وبينهما عديد الطوائف من المسلمين، المختلفين على بعض المسائل، سواء في العبادات أو قراءة أحداث التاريخ البعيد، ومع هؤلاء أبناء الديانة المسيحية بمختلف طوائفهم، وهم في حقيقة الأمر مسالمون، رغم تعرضهم للكثير من الإضطهاد على يد المتطرفين والتكفيريين، وقبلهم كان يعيش معنا عرب يدينون باليهودية، تعرضوا لظلم كبير بعد نشوء دولة إسرائيل، رغم عدم إيمان معظمهم بالفكر الصهيوني، مع أن كثيراً منهم قدّموا خدمات جليلة لأوطانهم قبل تهجيرهم، وأن الحنين لبلدانهم الأصليّة ما يزال يعصف بوجدانهم وأرواحهم.

ننظر إلى واقعنا البغيض، فنكتشف أن لكل طائفة ميليشياتها المستعدة لإفناء الآخر، وثمة تعصب طائفي لم يعد يشعر بالخجل من الإفصاح عن توجهاته، فهناك من يدعو أبناء طائفته لاستئناف حرب الحسين ضد جند يزيد، وهناك من ينادي بهدم مراقد الأئمة باعتبار أن الإسلام حرّمها، وهناك من يطالبنا بالتسمر في أغوار التاريخ، ويؤذن فينا أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ما يعني الاستغناء عن عقولنا بالكامل، والاستسلام لفتوى رجل قد لايكون أوتي من العلم غير قشوره.

مواجهة الطائفية لاتكون بإنكارها، بقدر ما تكون بمواجهتها بشجاعة وعقلانية، وبما يعني الاعتراف بحق الآخر فيما يعتقد ويؤمن، وتالياً الاقتناع بالحكمة المصرية التي انطلقت قبل أكثر من نصف قرن، بـ"أن الدين لله والوطن للجميع".

في محاولتنا لفهم طبيعة الطائفي نكتشف أن أبرز صفاته السلبية أنّه لايرى غير نفسه، ويتجاهل أو يجهل أنّ هناك آخرين من حقهم أن يكون لهم تفكير مخالف لتفكيره، وهو أيضاً كتلة من الغرائز الجامحة نتيجة تعطيله لعقله ومنعه من القيام بوظيفته. والطائفية مرض بذرته كامنة في دواخل كل واحد منا، وهي مستعدة للنمو إن تركنا طريق المحرضين إليها مفتوحاً، والقضاء عليها مُمكن ومُتاح إذا خرجنا من الإطار اللعين الذي وُضعنا فيه، وأدركنا بالفطرة السليمة أن هناك عوالم أخرى تنتظر لنراها، وأن جمال الكون يكمن في اختلافه، فلو كان الناس سواسيّة لخرب العالم وفسد، لكن أجمل ما في هذا الكون هو الاختلاف والتنوّع.

التحريض على الطائفية سيقود حتماً إلى ولادة طائفتين متنافستين لهما الصفات نفسها وإن اختلفت التوجهات والنتيجة الحتمية هي تدميرهما معاً، ولابد من إفهام المُحرّض أننا ندرك أن الله منزه عن أن يكون مع طائفة ضمن دين، ضد كل الطوائف والأديان الأخرى، وأن من المُخجل مسخ صورة الله في عقول الناس إلى هذا الحد، وتصويره كظالم يحب فقط جماعة من خلقه ويبغض كل الآخرين ويحقد عليهم، والصحيح أن المشكلة هنا تكمن في العقول المريضة التي صغّرت مفهوم الإله وفصّلته على مقاسها، لذلك لا نستغرب كثيراً بروز ظاهرة الملحدين، لأنّ هذا الإله الصغير الذي على مقاس البعض، لم يعد يعجبهم ولا يفي بتطلّعاتهم أبداً، لذلك لن يترددوا بأن يكفروا به وينكرونه.

الطائفية داء، لكن أخطر ما في أي نظام طائفي هو تجاوزه احتكاره تمثيل الطوائف سياسياً، ما يؤدي حتماً إلى تعثر وفشل أيّ تحوّل سياسي وطني ديمقراطي، يتجاوز جدران الطائفية، ليوحد قوى المجتمع، ويحولها إلى قوّة سياسية قادرة على تجاوز الأطر الطائفية، وهنا يبرز دور زعماء الطوائف، لإدراكهم أن الحفاظ على مصالحهم السياسية والمادية، يرتبط مباشرةً باستمرار النموذج الطائفي، ولذلك يعملون بجد واجتهاد على تثبيت الحدود السياسية بين الطوائف، وبما يقتل أيّ توجه سياسي يؤمن بالمواطنة أساساً للتعايش وإحقاق حقوق الفرد، بغض النظر عن معتقده الديني أو انتمائه الطائفي.

ثمة من يرى أن الطائفية خلاف ديني، وهناك من يراها خلافاً اجتماعياً ناتجاً عن تباين المصالح، ويظهر هذا خصوصاً حين يخترق أحد الطرفين مجال الطرف الثاني الاجتماعي، من خلال التبشير أو الاستقطاب السياسي والثقافي، بينما هناك من يراها رد فعل على الظلم أو انعدام العدالة الاجتماعية، ويظهر ذلك على وجه الخصوص في البلدان التي تضيع فيها حقوق الأقليات. وإذا كنا نقر بصحة هذه التعريفات، فإننا ننبه إلى عدم صلاحية كل منها منفرداً، لأن كل واحد منها يؤكد أن هذا التنازع، تعبير عن عدة مشاكل تشترك وتتفق على التمظهر تحت عباءة الجدل الطائفي.

تاريخياً استعرت الخلافات المذهبية في العالم الإسلامي منذ عدة قرون، وبسببها عانى المسلمون من صراعات ومواجهات وحروب في مراحل مختلفة من تاريخهم، وظلت حرب الفتاوى تهيئ الأرضية الشرعية للاقتتال، وبديهي أن في مسألة التكفير تنصل عن مبادئ الإسلام، ولكن المصالح والألاعيب السياسية استدعت أن تستمر حركة التكفير والرمي بالارتداد، وخلال حكم الدولتين العثمانية والصفوية، أصبح الصراع الطائفي في جانبه الأعظم صراعاً وتنافساً سياسياً مغلفاً بالشعارات المذهبية، وبالنتيجة انتهى هذا الصراع إلى سقوط الصفويين أولاً وبعدهم العثمانيين، وتقسيم الدولة العثمانية واستعمار الدولة الإيرانية.

في هذه الأيام يبدو أن الطائفية أو التطييف ترسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط، فثمة أطروحات سائدة في فهم الصراعات الجارية في منطقتنا، تردها إلى صراع سني شيعي ينبع من واقعة وجود السنة والشيعة، أو بصورة أوسع إلى صراعات طائفية، تنبثق من تكوين مجتمعات الإقليم. ويجري تطييف الصراعات الاجتماعية والسياسية الراهنة، على يد نخب سلطوية نافذة، في بلدان المنطقة، مع أن تلك الصراعات ليست نتاجاً طبيعياً لوجود طوائف، حيث يرى البعض أنها اختلافات قديمة، وأن السنة والشيعة منخرطون في صراع أهلي طائفي منذ لحظة وفاة الرسول، أو حتى القول إن السنة والشيعة يريدون قتل وتفجير بعضهم. بينما يقول الواقع إن هذه الطوائف أقرب إلى نتاج للصراع منها إلى ذواتها، المُستنفرة دوماً للانقضاض على أعناق بعضها في عملية يرتبها فاعلون سياسيون يعملون في سياقات محددة، بغرض تحقيق أهداف سياسية تقتضي تعبئة شعبية حول سمات هوياتية معينة، دينية تحديداً. وللتسلطية السياسية موقع مركزي في أطروحة التطييف. التسلطية، وليس اللاهوت، هي العامل الحاسم الذي يشكل عملية التطييف. وقد تعمّدت النظم التسلطية في الشرق الأوسط استغلال الهويات الطائفية بصور متنوعة، كاستراتيجية لحرف مطالب التغيير السياسي بعيداً عنها، ولإدامة سلطتها. وبعبارة أخرى، فإن الصراع الطائفي في الشرق الأوسط اليوم هو استمرار لنظم الحكم القائمة، وذلك عن طريق التعبئة الهوياتية.

يتبع