عدنان بدر حلو: مؤتمر الدوحة الاقتصادي إجهاز على المهابة القومية لدمشق وفتح "أوتوسترادات" التطبيع
تمّ نشر المقال للمرة الأولى, في "القدس العربي"- لندن 9-7-1997باسم عدنان بدر, وهو الاسم الذي اقترحه الشهيد غسّان كنفاني للكاتب عندما عملا سوية في بيروت بمجلة "الهدف" آوائل سبعينات القرن الماضي.
نصّ المقال
آخر ما يمكن أن يكون موضع اهتمام أصحاب مؤتمر الدوحة الاقتصادي "الشرق أوسطي" هو صفته الاقتصادية.. فهذه الصفة لمؤتمر غرضه متابعة ما جرى في (مؤتمري) "الدار البيضاء" و"القاهرة" مرتبطة ارتباطا وثيقا بما كان يفترض بمسيرة السلام أن تكون قد حققته خلال الفترة الماضية.
إذ ليس بالإمكان تجاهل أن قمة "الدار البيضاء" إنما انعقدت في أجواء ما نجم عن مفاوضات مدريد واتفاق أوسلو من مناخات سلمية، وشيوع أطروحة "الشرق الأوسط الجديد" التي أطلقها شمعون بيريس في حينه.. باعتبار أن معادلات السلام التي بدت قريبة بعض الشيء، ستؤسس لطفرة اقتصادية وإنمائية هائلة في منطقة زاخرة بالإمكانات والموارد الطبيعية والطاقة ورؤوس الأموال والأيدي العاملة والأسواق، فيما هي تفتقر لكل ما يلزم من بنى تحتية وبرامج ومشاريع تطوير واستثمار إقليمية ترتقي بها فعلا إلى المستويات العصرية للبلدان المتقدمة.. خاصة بعد أن يتم استرداد كل الطاقات الموظفة حاليا في مجالات الإنفاق العسكري ويجري توفيرها ك"عائدات سلام" لصالح البرامج والمشاريع المشار إليها أعلاه.
غير أن كل أجواء التفاؤل السلمي هذه قد تبخرت خلال العامين الماضيين، فدخلت المنطقة بدلا من ذلك في أجواء حروب وأزمات جديدة أكثر احتقانا وتعقيدا من أجواء "اللاحرب واللاسلم" التي كانت سائدة في مرحلة ما "قبل مدريد".
فما بدا لوهلة ما أنه مصالحة تاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وشروع في معالجة جوهر الصراع العربي – الصهيوني (رغم ما شابه من قصورات ونواقص جرى الرهان على استدراكها في سياق طور العملية السلمية)، تمخض عن ردة صهيونية تتجاوز بما لا يقاس ما كان يمثله مناحيم بيغن (المفترض أنه أكثر زعماء إسرائيل التاريخيين تطرفا) والذي أثبت، على الأقل، أنه مستعد لتنفيذ ما يلتزم به عندما نفذ الانسحاب من سيناء وقام بتفكيك ما كان قائما فيها من مستعمرات. في حين يسعى نتنياهو وزمرته إلى التنصل من كل الالتزامات التي رتبتها الاتفاقات المبرمة على إسرائيل، بل أكثر من ذلك يسعون لتحويل السلطة الوطنية الفلسطينية من مشروع دولة لشعب فلسطين وشريك تاريخي في عملية السلام، إلى رهينة ووسيلة ابتزاز بهدف فرض المزيد من الضغط على ذلك الشعب والمزيد من التهويد والصهينة لأراضيه.
ولم يقف الأمر عند حدود التوقف عن تنفيذ الانسحابات المقررة، بل تجاوز ذلك إلى توسيع سياسة الاستيطان في كل الأرض الفلسطينية بما في ذلك قطاع غزة الذي يعتبر الرقعة الجغرافية الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم.
هذا على المسار الفلسطيني أما على المسارين السوري واللبناني فقد جرى الضرب عرض الحائط بكل ما كانت المفاوضات قد توصلت إليه في المراحل السابقة.. وتم التنكر لكل ما صدر عن المسؤولين الإسرائيليين السابقين من إقرار بعائدية الجولان لسورية وبأن التسوية لا بد وأن تتضمن عودة الأراضي السورية المحتلة لأصحابها. في حين تحول المسار اللبناني من بوابة لاتفاق سلام شامل يجهز نهائيا على حالة الحرب في المنطقة، إلى أداة تهديد للسلام الداخلي في لبنان وللاستقرار في الجبهة الشمالية بأسرها.
وقد شهدت المسافة الزمنية الفاصلة بين مؤتمر القاهرة الشرق أوسطي وبين مؤتمر الدوحة انتقالا ب"الحدود الأمنية" لإسرائيل من خطوط وقف إطلاق النار بينها وبين سورية إلى حدود سورية الشمالية، مع الإعلان عن التحالف العسكري والأمني والسياسي بين الكيان الصهيوني والعسكريتاريا التركية المشحونة بأطماع القرون الوسطى على أبواب القرن الواحد والعشرين.
وما يمكن أن تكون له دلالات أكثر من رمزية في هذا المجال هو قيام مجموعة من جماعة "حباد" الصهيونية المتطرفة باحتفال توراتي على ضفاف نهر الفرات في منطقة الحدود التركية- السورية. معربة، من خلال طقوس مغرقة في ظلاميتها، عن أن ذلك النهر يشكل الحدود التوراتية لدولة إسرائيل من ناحية الشمال في حين يشكل النيل حدودها الجنوبية الغربية.
والمسالة هنا ليست مجرد تعبير عن شطط أصولي لدى مجموعة صغيرة متطرفة، بقدر ما هو ترجمة "توراتية" لسياسة رسمية قائمة بالفعل: سواء من خلال التحالف الإسرائيلي – التركي المعلن، أم من خلال الدور الإسرائيلي المشارك ميدانيا في الاجتياح التركي لشمال العراق وما يتردد عن إقامة حزام أمني فيه، على غرار الحزام الأمني الإسرائيلي في جنوب لبنان.
يضاف إلى كل ما تقدم الدور الإسرائيلي الجلي في أحداث القرن الإفريقي (الاحتلال الأرتيري للجزر اليمنية، وإشعال فتيل الحروب الانفصالية في جنوب السودان وشرقه.. وغير ذلك).
على ضوء كل ما تقدم يتضح أن المنطقة التي لوِّح لها بالسلام وجرى عقد مؤتمري "الدار البيضاء" و"القاهرة" من أجل وضع التنظيمات الاقتصادية والإدارية لما سوف يتأتى عن ذلك السلام من عائدات ومردودات.. قد جرى إدخالها في مرحلة مفخخة بالمزيد من بؤر الانفجار الكامنة منها والمشتعلة.. فلم يعد بالإمكان الحديث مطلقا عن سلام يطوقه إطار من النيران تمتد ألسنة لهيبها من الجزائر وموريتانيا والسنغال غربا إلى السودان والوسط الإفريقي جنوبا إلى شمال العراق وأفغانستان شمالا وشرقا.
فكيف يمكن أن ينعقد مؤتمر لجني محاصيل السلام، دون أن يكون هناك سلام؟!
على هذا الأساس بادرنا إلى نفي الصفة الاقتصادية عن هذا المؤتمر الذي لا يمكن أن تخفى أهدافه السياسية حتى عن قادة قطر الذين يجدون أنفسهم- رغم المكابرة- محرجين بين الرغبة المشروعة لقيادة شابة تحلم بدور حضاري لإمارة ناهضة، وبين ضغط واشنطن لابتزاز هذا الدور من أجل ترتيب "عاصفة صحراء" سياسية ضد سورية بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام، هدفها النهائي هو كسر إرادة الأمة واستباحة قرارها السياسي وإزاحة آخر عقبات التمرد والرفض من أمام أوتوسترادات التطبيع مع هذه "الإسرائيل" الرافضة للسلام والمنكفئة عن مقدماته والناسفة لكل معادلاته.
المسألة هنا، كما بدا واضحا من موقف كلينتون خلال زيارة أمير قطر للولايات المتحدة، ومن خلال المؤتمر الصحافي للسفير الأمريكي في الدوحة، وكذلك من خلال المواقف المحلية المنخرطة في المخطط المشار إليه، هي الإجهاز على "الهالة القومية" لسورية، بتجريء بعض الخليجيين على عقد ذلك المؤتمر بالرغم من معارضة دمشق، وكل ما تمثله من وزن سياسي وقومي راهن وتاريخي.. تماما كما جرى تجريء المسؤولين الكويتيين على العراق من أجل جره إلى فخ "عاصفة الصحراء" العسكرية في الكويت، بهدف تدمير طاقاته وكل ما كانت تمثله بالنسبة للأمة العربية كلها.
ومن الواضح الآن أن الضغط الأمريكي الحالي على قطر يستهدف تجريد الموقف السوري من وزنه القومي والإقليمي: وجعل التطبيع الخليجي – الإسرائيلي يمر مباشرة وبسهولة بعيدا عن عقبة موقف دمشق.
وفي مواجهة "عاصفة الصحراء" السياسية الجديدة هذه، ينظر بالكثير من الارتياح لموقف الأمير عبد الله بن عبد العزيز وغيره من المسؤولين الخليجيين الذين تنبهوا لخطورة عقد مؤتمر عائدات السلام دون أن يكون هناك سلام.. والذين يصرون على ربط الموقف من مثل ذلك المؤتمر بحصول تقدم جدي وعلى كافة المسارات الفلسطينية واللبنانية والسورية.
كما ينظر بالمستوى نفسه من التقدير لخطوات الانفتاح بين القطرين السوري والعراقي، ومساعي تطويرها لتشمل إيران، وصولا على إقامة أوسع جبهة عربية وإسلامية ممكنة في مواجهة "عاصفة الصحراء" الجديدة، وكل قوى الهيمنة التي تقف وراءها، وما في جعبتها من مخططات ومشاريع.
ملاحظة لقد فشل أصحاب المؤتمر في عقده وتم تأجيله إلى أجل غير مسمى قبل موعد انعقاده بيوم واحد.. ثم صرف النظر عنه، وطوي ما كان يسمى مسار المفاوضات المتعددة المنبثق عن مؤتمر مدريد الذي كانت تعقد تحت راياته هذه المؤتمرات الاقتصادية.. بعد أن عجز أصحابه عن تجاوز عقدة معارضته من قبل سورية بشكل خاص وكل القوى العربية المتبنية لتلك المعارضة بشكل عام. مما زاد في حماسة أصحاب المخطط في تشديد الضغط على دمشق والعمل لإحداث تغييرات جذرية فيها قبل إدخالها في مساع جديدة للسلام.
تنويه: المقال منشور كذلك, في كتاب "تدمير سورية" الصادر عن دار نون4 في نيسان 2014.