هل يمكن للنظام العالمي أن يتجاوز أزمته؟

بشّار عباس

 لكي نكون صورة حول حجم الأزمة العالمية المستمرة والمتفاقمة سأورد بعض المعلومات:
¨ في عام 1944 عقدت اتفاقية بريتون وودز، التي تلزم الولايات المتحدة بأن تغطي النقود التي تطبعها بالذهب، وتم تحديد سعر ثابت للذهب هو 35 دولاراً للأونسة، على أن تلتزم الدول الأخرى بتغطية عملتها بالدولار أو الذهب.
¨ لم تلتزم أمريكا بتغطية عملتها بالذهب وأخذت تطبع أعداداً متزايدة من عملتها الورقية، حتى اضطرت أن تفك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971 ومنذ ذلك التاريخ انخفضت قيمة الدولار أكثر من114مرة تقريباً بالمقارنة مع قيمة الذهب.
¨ في عام 1972 كان 98 دولاراً من كل 100 دولار مخصصة للإنتاج ودولاران فقط مخصصان للمضاربات المالية، وفي عام 2008 انعكست النسبة، فأصبحت 98 دولاراً من كل 100 دولار مخصصة للمضاربات المالية ودولاران فقط مخصصان للإنتاج. فكيف ولماذا حدث ذلك؟
¨ إن حجم الكتلة المالية للدولار المطروحة في العالم تكفي لشراء مجمل الإنتاج العالمي لمدة عشرين سنة. فليس هنالك أي تناسب بين ما تنتجه الولايات المتحدة من إنتاج حقيقي وما تطبعه من أوراق مالية، ذلك أن حجم إنتاج الولايات المتحدة لا يساوي أكثر من جزء بسيط من كتلة الدولار المطروحة في العالم.
_____
فكيف يمكن تغطية هذا الفرق الهائل؟
تمت التغطية بعدة طرق:
___
الطريقة الأولى هي التي أشار إليها الأستاذ نصر شمالي عندما كتب: "الدولار الأميركي، من دون النفط العربي، الذي هو غطاؤه بدلآ من الذهب منذ السبعينيات، هذا الدولار يصبح مجرد ورق مطبوع ليست له سوى قيمة الورق الملون، لولا غطاءه النفطي العربي، الذي ينبغي، من وجهة نظر الأميركيين، أن يبقى غطاءه، مهما كلّف الأمر!".
___
الطريقة الثانية هي تدعيم دور سوق الأوراق المالية بحيث يخلق ثروات وهمية تغطي حجم الكتلة النقدية، ثم يتبين خلال فترات دورية أوهام هذه الثروات فتنفجر الأزمات المالية، ولكي نتصور حجم هذه الأحابيل الشيطانية يكفي أن نقول إن التداول اليومي في سوق المال فوركس يبلغ 5 خمسة تريليونات دولار، أي أن ما يتداوله المضاربون خلال عشرين يوماً قد يكفي لشراء كامل الإنتاج العالمي لمدة عام كامل.
___
الطريقة الثالثة هي فرض مصالح الولايات المتحدة بالقوة العسكرية العارية، حيث تبلغ الميزانية العسكرية الأمريكية 500 مليار دولار في أوقات السلم، وهي أكبر من مجموع الميزانيات العسكرية لأعظم عشر دول قوة والتي تمتلك أكبر جيوش العالم التي تلي الجيش الأمريكي.
___
الطريقة الرابعة هي إشعال الحروب فهي تدفع عجلات مصانع الأسلحة وتستهلك القنابل والذخائر والمعدات القديمة التي تكاد تصبح غير صالحة للاستخدام.
____
الطريقة الخامسة هي تحويل العالم إلى مجتمع استهلاكي كبير يشتري فيه الناس ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه ويشترون هذه البضائع ليس فقط من دخولهم الحالية بل ومن دخولهم المستقبلية من خلال إغراقهم بالقروض.
____
الطريقة السادسة هي تعظيم القيمة المضافة في الدول المتقدمة التي تركز على التكنولوجيا المتقدمة وبخس قيمة المواد الأولية من معادن ونفط وخامات ومنتجات زراعية مما يعني امتصاص ثروات بلدان أفريقيا وجزء كبير من أمريكا اللاتينية وآسيا بل وأجزاء من أوربا.
____
الطريقة السابعة هي خلق ثروات خيالية غير حقيقية والمضاربة على أسعار سلع الرفاهية كالأعمال الفنية والأنتيكات التي بلغت سعر القطعة الواحدة منها مئات ملايين الدولارات.
____
كل ذلك لن يجدي نفعاً فالنظام العالمي يولد أزماته بنفسه وإن أية محاولات جديدة لوقف مسار التاريخ وإعادته إلى الوراء لم تنجح سوى في الإسراع بالوصول إلى النتيجة المرتقبة: تغيير شكل وطريقة عمل النظام العالمي.