الصناعة السورية تخسر.. وأكثر من 4000 منشأة استقرت في مصر

ميليا اسبر– خاص فينكس:

خسرت الصناعة السوريّة الكثير من منشآتها الصّناعية ومعاملها بعد التضييق على الصّناعيين، وتعرض منشآتهم إلى السّرقة والتدمير خلال الحرب ما اضطر الكثير منهم إلى مغادرة البلاد، وتأسيس خطوط إنتاج في الخارج، وجهة الصناعيين كانت إلى ثلاث دول هي تركيا والأردن ومصر حيث نالت الأخيرة الحصة الأكبر منهم بعد أن وجد فيها الصناعيون بيئة حاضنة لمنشآتهم وتقديم كافة التسهيلات لهم ما دفعهم إلى الاستقرار والعمل هناك.
يقول رئيس تجمع رجال الأعمال السوري بمصر: أنّ هناك حوالي 4000 منشأة "سوريّة" (مصانع + ورش) موجودة في "مصر"، وتضخ حوالي 100 مليون قطعة شهرياً في السّوق المصرية، ما يدل على قدرة الصّناعي السوري على النجاح والعطاء في أي بلد كان في حال توفرت له الظّروف الملائمة للعمل.
في المقابل يقول خبراء الاقتصاد أنّ هجرة الصّناعيين لها سلبياتها حيث تؤدي إلى انتقال المعرفة والخبرات إلى دول أخرى، إضافةً إلى ارتفاعٍ بمعدّلات البطالة وتضخم الفجوة بين الطّلب وبين حجم الإنتاج مما يعني مزيداً من الآثار الاقتصادية السّلبية.
لمصر الحصة الأكبرالصناعي دركلت
الصناعي من محافظة "حلب" "تيسير دركلت" أشار إلى أنَّ معظم الصّناعيين السوريين الذين غادروا البلاد اتجهوا إلى "مصر" وأغلب صناعاتهم نسيجيّة وهندسيّة، وهناك صناعيون اتجهوا إلى "تركيا"، بينما بعض الصّناعات الغذائيّة اتجهت إلى "لأردن" و"لبنان" لكن بنسبٍ أقل، مشيراً أنّ عدد المنشآت الصّناعية في "حلب" قبل الحرب 33000 منشأة صناعيّة مسجّلة لكن انخفض بين عامي 2014 – 2015 إلى حوالي 6000 منشأة، إلا أنه بعد تحرير "حلب" بالكامل في عام 2020 ارتفع الرقم لحوالي ١٧٠٠٠ منشأة.
وبيّن "دركلت" أنّ هجرة الصناعيين إلى "مصر" لها أسباب أهمها توفر عامل الأمان، وكذلك وجود بنية تحتية – كهرباء – مواصلات – اتصالات، إضافةً لسهولة السحب والايداع وتحويل الأموال وهذا الأمر غير متوفر في "سورية" حتى الآن، إضافةً إلى محفزات أخرى منها إنشاء منطقة صناعيّة للسوريين في "مصر"، لافتاً أنّ لهذا الموضوع ايجابيات، فقد توطنت بعض الصّناعات السورية في "مصر" و"تركيا' ولم تكن موجودة من قبل، وحالياً تُصدّر إلى كلّ دول العالم وممهورة بعبارة صنع بأيادي سوريّة.
تشكيل حلقة انتاج كبيرة
بدوره الصناعي "مجد شيشمان" قال: إنّ الصناعيين السوريين في "مصر" هم من أوجد البيئة المناسبة حيث تكاتفوا مع بعضهم البعض وشكلوا حلقة إنتاجٍ كبيرة من العناقيد الصناعيّة وهي صناعة الألبسة بدءاً من صناعة النسيج والحياكة والصباغة حتى التفصيل، لذلك ازدهرت صناعة الألبسة هناك، كذلك فإنّ الشّعب المصري اعتاد على السوق السوريّة ومنتجاتها، مشيراً أنّ الظروف التي فرضتها الحرب الظّالمة أجبرت الصناعيين إلى تأسيس خطوط إنتاج في الخارج، ولكن في حال توفر مقومات العمل سواء مجال الكهرباء - البنى التحتية - فتح خطوط التصدير سيكون هناك هجرة عكسية وعودة الصناعيين إلى البلاد، عازياً ذلك إلى أنّ تكاليف الإنتاج في "سورية" أخفض بكثير من "مصر" لاسيما بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها بأسعار الطاقة والمحروقات ما سبب عبء على الصناعيين هناك.
المنشأة ليست حقيبة سفر
من جهته رئيس غرفة صناعة "دمشق" وريفها "سامر الدبس" أكّد في تصريح خاص لـ"فينكس": بأنّ ما خسرته الصّناعة السورية كان بسبب التّضييق على الصناعيين نتيجة الحرب الظالمة وما تبعها من حصار على المقدرات الاقتصادية للبلاد مما أدّى إلى توقف نشاط معاملهم واتخاذ بعضهم إلى قرار التأسيس خارج "سورية"، منوهاً أنّ المنشأة الصّناعية ليست حقيبة سفر يمكن للصناعي نقلها متى يشاء لأنّ إنشائها يتطلب الإمكانيات الماديّة والفنيّة والبشريّة الكبيرة، ولن تكون عملية نقلها بهذه السهولة، لافتاً أنّ الغرفة تعمل على تثبيت جذور الصناعة السوريّة، وتمهد الطريق لعودة الصناعيين بكرامة ومحبة وهذا الأمر يتطلب علم وفن وحكمة.
هجرة العقول الصناعيةسامر الدبس
وأضاف "الدبس" أنّ تطور الصناعة السوريّة عبر عدّة عقود أدّت إلى تراكم في الخبرات الفنيّة والماليّة والإدارية، مما أحدث فرقاً كبيراً في الاقتصاد الوطني وتأثيراً إيجابياً على المنتج المحلي، حيث أدت هجرة هذه العقول الصّناعية من كافة المستويات إلى خسارة الوطن لهذه الخبرات وقدرتها في سوق الصناعي في الوقت الحالي بسبب استقطاب تلك الكفاءات من قبل الدول الأخرى، مشيراً أنّ غرفة صناعة "دمشق" وريفها تعمل على تنفيذ برامج تعليم وتدريب لفئات الشباب بهدف الدخول في سوق العمل وذلك بالتعاون مع الجهات الحكومية المعنية والصناعيين لتعويض هذا النقص الحاصل في الخبرات.
وأوضح "الدبس" أنّ معظم من قاموا بتأسيس صناعة خارج "سورية" يملكون مصانع داخل القطر مستمرة في الإنتاج ورفد انتاجها إلى الأسواق المحلية والتصديرية، مؤكداً أنه بالرغم من هذا التهويل الإعلامي لم يغلق أي مصنع وطني في "سورية" رغم الظروف القاسية التي تمر بها الصناعة الوطنية، مبيناً أنّ عام 2021 كان من أكثر الأعوام التي تم فيها منح تراخيص صناعية لإقامة المنشآت في المناطق والمدن الصناعية.
خسارة ثلثي مقدرات الاقتصاد
رئيس غرفة صناعة "دمشق" وريفها ذكر أنّ التحدي الأكبر هو استمرار وجود صناعة سوريّة في ظل هذه الحرب المدمرة ونتائجها الكارثيّة التي أدت إلى خسارة الاقتصاد السوري ثلثي مقدراته وما تبعها من الحصار الاقتصادي الظّالم الذي أدى إلى زيادة صعوبات الصناعيين في تأمين مستلزمات انتاجهم وحوامل الطاقة، إضافةً إلى خسارة ثروة حقيقية من الخبرات المتراكمة في الصناعة السورية، مؤكداً أنه بالرغم من كل هذه التحديات فإننا نؤمن بقدرة الصناعة السوريّة على الصمود والانطلاق من جديد بالتّعاون المستمر والتّشاركية مع أعضاء الفريق الحكومي لاتخاذ القرارات المناسبة والسّريعة التي تساعد في استمرار عمل الصّناعي واستمراريّة العجلة الإنتاجية ورفع القدرة التنافسيّة للمنتج الوطني.
لأسباب اقتصادية
وللوقوف على واقع الصناعة والصناعيين السوريين الذين يعملون في "مصر" تواصلت "فينكس" مع رئيس تجمع رجال الأعمال السوري بمصر "خلدون الموقّع" المقيم في "مصر" والذي أكدّ أن هجرة الصناعيين إلى هناك تعود لأسباب اقتصاديّة حيث كنا نطلب دائماً من الدولة السوريّة استلام هذا الملف الاقتصادي بشكل أوضح وفاعلية أكبر بإدارة كفؤة أسوة بتقدمها وإدارتها الناجحة للملف السياسي، مضيفاً أنّ نجاح أي سياسة أو قرارات اقتصاديّة أو نقديّة تكمن بمخرجاتها سواء على الأسواق أو على الصناعي والتّاجر والأهم على المواطن، ويرى "الموقّع" أنّ حكمة القرار وبراغميته تسبق صوابيته، والأهم هو الحرص والعمل دائماً على تحقيق توازن نسبي بين مختلف المؤثرات على الحياة المعيشية، اقتصادياً -اجتماعياً- حيث أنّ أي طغيان لأحد العناصر سيؤدي إلى خلل واضح على أرض الواقع، مشيراً أنّ الصناعة هي عصب الاقتصاد، وتالياً فإن الأهم هو الحرص على استمراريّة الصناعي في عمله وعرض مشاكله وتذليل العقبات أمامه ليس بمنطق الاحتكار وإنما بمنطق الإنتاج، منوهاً أنه مما لا شك فيه أنّ هناك مشكلة في التّواصل وأداء الحلقات الوسيطة التي تنقل الهموم والصور إلى صاحب القرار والتي يجب أن تكون بمنطق المصلحة العامة، وليس المجاملة أو المصالح الضّيقة.
توفر منظومة العمل
وبيّن "الموقّع" أنّ الصناعي السوري لاحظ توفر منظومة العمل "مصر" مما يجعل انخراطه أكثر سهولة، علماً أننا كرجال أعمال لا نملك وسائل ثني الصناعي عن المغادرة، لكن بالتّأكيد نطلب منه عدم هدم ما بناه وكد وتعب من أجله في 'سورية"، وليجعل عمله في "مصر" رافداً وداعماً لاستمرارية مصنعه وما هو قائم له في بلده، فمهما طالت الأزمة فهي لا بد إلى زوال، كاشفاً أنّ عدد المنشآت الصناعية السوريّة (مصانع + ورش ) في "مصر" وصلت حوالي 400 منشأة، ويضخون في الأسواق حوالي 100 مليون قطعة شهرياً.الصناعي الموقع
عدم الاستقرار في حجم المصارف
دكتور الاقتصاد "ماهر سنجر" بيّن أنّ حالة عدم الاستقرار في حجم المصاريف المتغيرة لدى الصناعيين أضعفت هوامش الربح وخفضت من العائد على الاستثمار وأثّرت على قدرة هذه المنشآت وجعلت من استمراريتها موضع تساؤل حقيقي وخاصةً في ظل قانون قيصر وانتشار فيروس كورونا والنتائج المترتبة عليه، مضيفاً أنّ الصناعيين يجدون بالدّول المشابهة لسورية من حيث النمط الاستهلاكي والتي تتوافر فيها مقومات العمل من طاقة وموارد وسيولة فرصة، وذلك لامتلاكهم الخبرة الكافية لتسيير أعمالهم وطرح المنتجات وتحقيق الإيرادات اللازمة دون الحاجة لاكتساب مهارات جديدة أو تكييف مهاراتهم السابقة، إضافةً إلى الحجم الكبير لهذه الأسواق وتوفر فرص التصدير يعزز من جاذبية تلك الاسواق.
جفاف السيولة
وذكر د."سنجر" أنّ حالة جفاف السيولة في المنطقة دفعت بالكثير من الدول لتحويل هذا التحدي لفرصة من خلال جذب المستثمرين لقاء جملة من التّسهيلات في العمل، فحجم ديون "مصر" الخارجيّة وحدها كفيل بدفعها لتقديم التّسهيلات الجّمة لأي مستثمر وبغض النظر عن جنسيته للقدوم إليها حيث بلغ حجم الدين الخارجي في العام /2021/ لمصر ما قيمته حوالي /137/ مليار و/850/ مليون دولار أمريكي مرتفعاً بقيمة /21%/ عن العام السابق، ومن هذه الديون حوالي /14/ مليار قصيرة الأجل يتوجب التّعامل معها بسرعة وإلا تحولت لأزمة، موضحاً أنه من الجيد اليوم النظر لتحويل هذا التّحدي إلى فرصة من خلال النّظر بإعادة هيكلة بعض المؤسسات الصناعيّة لتتماشى مع ظروف الأزمات حيث لم تتبنّى معظم المؤسسات الصناعية في "سورية" المفاهيم الحديثة لاستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر وهو ما كان سيذلل الكثير من العقبات أمام الصناعين، كما أنّ التّفكير بالإنتاج دون التّفكير بإعادة استثمار مخرجات الإنتاج أرهق الصناعين وركّز كل الاهتمام على استيراد المواد اللازمة فمن الجيد اليوم إحداث تعديلات طفيفة على خطوط الإنتاج للانتقال من إنتاج صناعي خطي لإنتاج صناعي دائري يقلل من كلف الصناعين.
وأضاف د."سنجر": إن دعم الصناعيين المتواجدين على الأرض وبناء الثقة معهم من خلال برامج دعم تصدير متكاملة أفضل من النظر لصناعي هاجر قد يعود أو لا، فالصناعيون المتواجدون في "سورية" قادرون على الإنجاز في ظل ظروف عمل مناسبة (طاقة – بيئة عمل – بيئة قانونية ......) دون إهمال التّفكير بكيفية دعم عودة الصناعي المهاجر حيث أنه قد شكلت لجنة متخصصة بذلك في وزارة الصناعة، فمن المسلم به أن الحفاظ على الصناعي المحلي أمر أقل كلفة من إعادة استقطاب صناعي هاجر أو من استقطاب استثمارات وصناعات جديدة.
ختاماً
وأخيراً: نقول إن الصناعة هي من أسس الاقتصاد لأي دولة، لذلك من الضروري والواجب على مختلف الجهات المعنية تكاتف جهودها لإزاحة كافة العقبات التي تعترض عمل الصناعيين في "سورية"، بالتّزامن مع العمل الجاد لتسهيل عودة الصناعيين المغادرين إلى بلدهم والاستفادة من خبراتهم وانتاجهم، لأنّ كل ذلك يصب في مصلحة اقتصاد البلد.