محدودية التسويق الحكومي وإجحاف الأسعار.. الحمضيات السورية تعيش المأساة السنوية مجدداً
اللاذقية- رانية قادوس- فينكس
يكاد يكون موسم الحمضيات المفرح المبكي لدى أهل الساحل السوري، فهو حكاية مأساوية تتكرر كل عام، ولا تلقى الاهتمام المطلوب. تطرح الأشجار ثمارها، ليبدأ الاختناق الكبير في تسويق المحصول البالغ إنتاج اللاذقية منه عام 2021 حوالي 700ألف طن.
لم تعطِ الاجتماعات المحلية على مستوى المحافظة نتيجة إيجابية، تماماً مثل زيارة وزيري الزراعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، وبقيت الوعود وعوداً، فلا القرارات طبقت ولا المعابر فتحت ولا أبواب صالات السورية للتجارة في أغلب المحافظات استقبلت محاصيل الحمضيات، بل بقيت مغلقة في وجه مزارعي الحمضيات وإنتاجهم. لا حلول استراتيجية واضحة في الأفق تضمن أمان موسم الحمضيات على المدى الطويل دون قلق مزارعيها وتكبدهم الخسائر.
مزارع الحمضيات فقد ثقته بالحكومة
يقول المزارع بهجت طه لـ"فينكس": "منذ عشر سنوات حتى اللحظة، لم توفق الحكومة في دعمنا وتسويق محاصيلنا من الحمضيات، رغم دعمها محاصيل أخرى. اجتمع المسؤولون وأعلنوا القرارات، وفوضوا السورية للتجارة باستجرار محاصيل الحمضيات، لكنهم أخذوا كميات محدودة ومن بعض المزارعين فقط، فأين عدالة التسويق حين يتم تفضيل مزارعين على حساب آخرين، كما هو الحال عندما استجروا من القرداحة 50 طن ومن فديو 10 أطنان فقط؟".
وأعرب المزارع نديم سليمان، صاحب بستان حمضيات، عن غضبه من تحديد السورية للتجارة مواصفات معينة للتسويق، حيث تأخذ النخب الجيدة وترفض الثمار صغيرة الحجم، متسائلاً: "لماذا لا يتم تحديد سعر مناسب، خاصة أن إنتاجنا لهذا الموسم هو من الأحجام المتوسطة، وأن قلة الري والأمطار وعدم توفر المازوت وغلاء الأسمدة كانت سبباً لإنتاج نوعية ذات حجوم متوسطة وصغيرة؟"، مضيفاً: "لو أنهم سمحوا بإنشاء معمل عصائر لكان في ذلك استثمار جيد للثمار الصغيرة، بدل أن يتكدس المحصول دون أن نستطيع تسويقه كله، ما يوقعنا في خسائر فادحة، فالمردود لا يغطي حتى تكلفة الإنتاج".

قرارات دون تنفيذ
المهندس حكمت صقر رئيس اتحاد الفلاحين باللاذقية أوضح، بتاريخ 1/12/2021، لـ"فينكس" ضرورة التدخل الحكومي الجدي في تسويق الحمضيات بعيداً عن الدعم الكلامي، مع فتح الأسواق والتصدير إلى الخارج والتسويق في الداخل. وقال: "أبلغونا بأن وفداً عراقياً سيزورنا لتسويق 200ألف طن من الحمضيات، حسب تصريحات وزير الزراعة، فلم يأت أحد ولم نشاهد شيئاً على أرض الواقع. لم يعد الفلاح راغباً بسماع أخبار كهذه لا يتحقق منها شيء، أو قرارات لا يتم تنفيذ إلا الجزء اليسير منها، ومنها قرارات الدعم والتسويق وفتح المعابر".
تسويق 300 طن فقط
وأشار صقر إلى اقتصار تنفيذ الوعود على استجرار السورية للتجارة للحمضيات من أرض المزارع، ووصول الدعم إلى مستحقيه، لكن السورية للتجارة رغم ذلك لم تسوق إلا 300 طن، والسبب ضعف تنسيق المؤسسة مع الاتحاد، وقال: "حضر إلينا وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك وأعطى التعليمات والقرارات، لكنه لم يوجه تعليماته إلى صالاته في المحافظات كي تستوعب محاصيلنا. تواصلنا مع رؤساء اتحاد الفلاحين في المحافظات لإرسال الحمضيات ليتم تسويقها إلى صالات السورية للتجارة، فكان ردهم أنهم لا يملكون سلطة عليها. المشكلة أن مديري "السورية للتجارة" يتعاملون مع تجار، والجميع يقبض على حساب الفلاح، علماً أن فتح جميع صالات المؤسسة أمام محاصيلنا كأن سيضاعف الكميات المسوَّقة".
السعر لا يغطي تكلفة الإنتاج والمعابر مغلقة
فايز مهنا، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحين ورئيس مكتب التسويق، لفت، بتاريخ 2/12/2021، لـ"فينكس" إلى موافقة الاتحاد على السعر التأشيري، على أن يتم تسويق جميع المحصول، لكن دون جدوى، مؤكداً فداحة مشكلة الأسعار، فكيلو الحمضيات ب 200 أو 300 ليرة سورية، بينما كان يجب أن يصل إلى 500 أو حتى 800 أو 900 ليرة، ولو أن السورية للتجارة تستطيع تغطية وتسويق المحصول كافة، لأوجدت فرقاً في السعر وبالتالي تحسيناً في السوق، إلا أنه لم يسوق في الأسبوع الماضي إلا 49 ألف على مستوى المحافظة وهذه كارثة. وأضاف: "نرفع صوتنا بضرورة إنقاذ الفلاح من خسارة وكساد محصوله كل عام، وفتح المعابر بما يناسب التاجر والمصدّر والمزارع الذي يجد نفسه مضطراً للقبول بسعر مجحف، على مبدأ "شيء أفضل من لا شيء"، بالتوازي مع خوفه من الصواعق والعواصف والذباب وأمراض المحاصيل".
70% من الإنتاج حجوم صغيرة
وأكد مدير السورية للتجارة فرع اللاذقية سامي هليل، بتاريخ 2/12/2021، أن المؤسسة نظمت استجرار الحمضيات عبر لجنة متخصصة من المهندسين الزراعيين، حيث فرزوا الحمضيات حسب المواصفات الفنية والميكانيكية بالتعاون مع مديرية الزراعة والاتحاد العام للفلاحين، وقسموا مناطق اللاذقية إلى أربع مناطق ( اللاذقية، جبلة، الحفة، القرداحة) للتنسيق مع الجمعيات الفلاحية وتوزيع الصناديق عليها وإيصالها للمزارعين، ضمن الشروط الفنية للثمرة الخاصة بالمؤسسة، وهي نخب أول وثاني وثالث، وصولاً إلى تسويق المحصول إلى المحافظات لبيعها في الصالات.
وأضاف: "يتم الشراء في أرض المزرعة بسعر يتراوح بين 750 و 850 ليرة للنخب الأول، و 550 و575 ليرة للنخب الثاني، ويعود للمزارع بحدود 1000 و1100 ليرة تقريباً، كون السورية للتجارة توفر 30% من أجور النقل، وتؤمن الصناديق التي يتراوح سعرها بين 1100و1500 ليرة. نعاني هذا العام من صغر حجم الثمار،فـ 70% من الإنتاج نخب ثالث، وبالتالي نواجه صعوبة في الفرز".
وأوضح هليل أن الكميات المسوقة حتى الآن 500 طن، وأن التسويق مستمر حتى نهاية أيار 2022، إلى المحافظات وصالات المؤسسة وإدارة التعيينات العسكرية، مع نية نقل كميات إلى المناطق الشرقية والشمالية مثل دير الزور وحلب، مشيرا إلى أن المؤسسة توفرعمولات سوق الهال على المزارعين بنسبة 7% تقريباً عند البيع و2% عند القبان، أي توفير 300 ل.س للمزارع على كل كيلوغرام.
رفع سعر سوق الهال دعماً للمزارعين
وعن رفض الحجوم الصغيرة من الثمار، أكد مدير السورية للتجارة أن هناك تعليمات للتقيد بالمواصفات الفنية للثمار يجب الالتزام بها، حيث تم رفض العديد من الكميات المخالفة للمواصفات، لافتاً إلى وجود خطوط جديدة تتمثل بالمزارع الاعتمادية التي اعتمدتها وزارة الزراعة ذات الحيازات الكبيرة من أجل التصدير، حيث يتم تصدير الليمون ذي المواصفات الواحدة في الأرض. وأضاف: "تم اعتماد مزرعتين مطابقتين للشروط من أصل 9 مزارع. نعلم أن هناك 44 ألف عائلة تعمل الحمضيات، وكمؤسسة، لن نستطيع تلبية حاجات التسويق للجميع، ولكن المعادلة الأساسية التي نعتمدها هي الشراء ورفع سعر سوق الهال كمنافس، ولو بكميات محدودة، ولكن الأهم أن ندعم المزارع برفع الأسعار، وهي طبعاً بزيادة مستمرة، وبعد 15 كانون الأول 2021 ستبدأ الأسعار بالارتفاع أكثر لأصناف أبو صرة واليافاوي والبالنصيا وغيرها.
#النبض_السوري #حمضيات