تجميل العجز.. أزمة الإدارة المحلية في سوريا (حماة نموذجاً)
فراس حمدون
أولاً: البعد الاستراتيجي.. الإدارة المحلية كبوابة للحل السياسي والاجتماعي والخدمي
نظرياً و بنيوياً، لا يمكن النظر إلى تفعيل "الإدارة المحلية" في سوريا وتنظيم قوانينها كترف إداري أو مجرد قطاع خدمي ثانوي، بل إنها تتجاوز منطق المفاضلة بين الأولويات وترتيبها؛ إذ تصنف في أقصى درجات الأولوية الاستراتيجية التي لا تقبل التأجيل.
فهي مفتاح لحل سياسي، واجتماعي، وخدمي شامل، يشكل خطوة حاسمة إلى الأمام في مسار بناء البلاد، وذلك من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
تثبيت السلم الأهلي: إن منح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها بشكل مستقل ومباشر عبر مجالس منتخبة حقيقية، يساهم في نزع فتيل النزاعات وتعميق الاستقرار.
مواجهة مشاريع التقسيم والطائفية: يشكل تمكين البلديات والمحافظات إدارياً ومالياً اتجاهاً معاكساً للشروخ الطائفية أو النزعات الانفصالية التي تشهدها بعض شرائح المجتمع؛ فالإدارة المحلية تربط المواطن بالدولة عبر قنوات تنموية عادلة ومباشرة لا تميز بين منطقة وأخرى.
إعادة بناء الثقة: عندما يرى المواطن أن قراره المحلي ومشاركته في الانتخابات البلدية ينعكسان على واقعه اليومي، تبدأ عملية ترميم العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
ثانياً: واقع التطبيق.. غياب الهوية وتغييب الدعم
ولكن، هذا الطموح النظري والسياسي الكبير يصطدم بواقع مغاير تماماً، يتسم بالتهميش والتعطيل الممنهج:
الوزارة المجهولة إعلامياً
تعيش وزارة الإدارة المحلية حالة تعتيم كامل؛ فلو سألت غالبية السوريين اليوم عن اسم وزير الإدارة المحلية لما عرفه أحد، في مفارقة صارخة مع "وزير الأوقاف" الذي تحول في فترات معينة إلى "نجم الشباك" على وسائل التواصل الاجتماعي، رغماً عن أن دوره الرسمي محصور بحضور ثلاثة إلى أربعة مناسبات دينية في السنة، وإشراف على دور العبادة وتنظيم عمل العاملين في وزارة الاوقاف. وفي المقابل، تغيب الوزارة الأكثر مساساً بحياة المواطن اليومية كلياً عن الدعم والاهتمام الإعلامي.
سحق الجوهر الخدمي (نموذج مدينة حماة)
ينعكس هذا التهميش بوضوح في المدن مثل حماة؛ حيث ينقل المغتربون والزوار صورة قاتمة تلخص واقعاً مزرياً:
تتجسد الأزمة في انتشار الحفر العميقة والتصدعات في الشوارع والأرصفة نتيجة غياب الصيانة الدورية. ويتزامن ذلك مع تراكم تلال القمامة في الزوايا وبين الأحياء، والتي تحولت إلى مصدر للروائح الكريهة بسبب عجز مجلس المدينة عن جمع النفايات بانتظام وتأخره المستمر في ترحيلها إلى المكبات المخصصة.
و كذلك فوضى عارمة في قانون المرور، وانتشار مستعصٍ للدراجات النارية نتيجة ضعف القرار الإداري، والخوف والضغط الناجمين عن ظاهرة "المسايرة الاجتماعية" والتعاطف الشعبي مع المخالفين التي تجهض تطبيق القانون؛ حيث لو تم فرض القانون لرأيت من يشتكي الآن من المخالفين يتحول إلى مناصر قوي وداعم لصاحب الدراجة النارية المحجوزة، بذريعة أنها وسيلة تأمين المعيشة لعائلته وفق الرواية المشروخة دوماً.
والمثير للاستغراب هو إحجام المسؤولين عن الضرب بيد من حديد ظناً منهم أن التراخي يضمن لهم تأييداً شعبياً، بينما هم في الواقع يتحولون إلى متهمين بالمسؤولية عن الأرواح التي تُزهق يومياً، ناهيك عن استخدام هذه الآليات في السرقات والشغب. إن الصالح العام وحياة الناس أولى بالصون من أي مصلحة فردية مهما بدت محقة.
مشهدان وصفهما لي زوار المدينة حديثاً :
- وصف لي صديقي المعماري العائد بزيارة من أمريكا منذ أيام بأن المدينة تبدو هرمة مثل امرأة عجوز مريضة.
- فيما لخص لي قريبي العائد منذ يومين قائلاً: إن المزعج حقاً في المدينة هو روائح القمامة، لكنك ستعتاد الرائحة بعد ثلاثة إلى أربعة أيام وتتابع حياتك.
ثالثاً: المفارقة الحكومية.. أساطيل الأمن ضد عجز الآليات
من واقع الخبرة الميدانية السابقة في قطاع مجلس المدينة، يتضح أن "الثابت الرئيسي" في نجاح أي بلدية هو الأدوات "الآليات والكوادر"
فالبلدية القوية تحتاج آليات جمع قمامة حديثة، وسيارات كنس، وآليات ومعدات تزفيت وترميم؛ وهذا ما تعانيه حماة من عجز وتأخر تاريخي ومستمر.
وفي مقابل هذا الشلل الخدمي، تبرز مفارقة توزيع المقدرات:
الاستعراض البصري لوزارة الداخلية: جرى دعم وزارة الداخلية في حماة بأسطول ضخم وحديث من سيارات الدفع الرباعي (سواء كان هذا عبر الشراء أو التبرعات)، وتم تصدير هذا الاستعراض البصري كإنجاز كبير في الشوارع.
سؤال الأولويات:
هل قدمت هذه السيارات الفاخرة أي خدمة ملموسة للمواطن؟
ألم تكن الأولوية المطلقة هي توجيه هذه الإمكانيات، والتبرعات، والتمويلات لشراء ضاغطات قمامة وآليات صيانة تخدم البنية التحتية المنهارة؟
رابعاً: "بروباغندا البديهيات".. سباق تصدر المشهد
للتغطية على هذا الخلل الهيكلي، انتهجت المجالس المحلية سياسة "السباق لتصدر المشهد" الإعلامي؛ حيث يجري اليوم تضخيم مشاريع عادية وطبيعية جداً (مثل حملات تشجير، طلاء أطاريف الأرصفة، ترميم حدائق، والاهتمام بزراعة منصفات الشوارع) كانت طوال تاريخ المدينة من المهام البديهية واليومية للمجالس البلدية التي لا تستدعي الذكر.
يجري طبخها إعلامياً وتسويقها تحت مسميات رنانة كـ "شرايين الحياة" أو "تجميل ضفاف العاصي"، ورغم أهميتها وتشجيعنا لها، إلا أنها تحولت إلى أهداف رئيسية لصناعة بروباغندا شكلية ترضي الجهات العليا، دون أن تلامس جوهر الأزمات الحقيقية للمواطن.
خامساً: الخلاصة.. "أدوات المكياج" على وجه الشيخوخة
إن هذا السلوك الإداري والحكومي و حتى المجتمع المحلي في التعامل مع مدننا، وفي مقدمتها حماة، يقودنا إلى تشخيص رمزي يلخص المأساة:
إن مدينة حماة اليوم تبدو تماماً مثل امرأة طاعنة في السن، مريضة -حسب وصف صديقي- وتهالكت بنيتها الجسدية، وهي بحاجة ماسة إلى رعاية طبية مركزة وأدوية حيوية تعيد ترميم جسدها من الداخل.
وبدلاً من أن نمنحها العلاج الحقيقي والشراب والأدوية (التي تتمثل في البنية التحتية، والآليات، ودعم البلديات، وتطبيق القانون الصارم)،
نكتفي بشراء "أدوات ومساحيق التجميل، ونضع أحمر الشفاه" على وجهها الشاحب (عبر تضخيم مشاريع الحدائق والإنارة التجميلية والاستعراضات البصرية).
وهو سلوك عبثي يحاول إعطاء انطباع زائف بالشباب والإنجاز الشكلي، بينما يظل الجسد يئن تحت وطأة المرض والإهمال.