دعوة لفهم آليات الإبادة
ريتا خير بك
يبدو أننا مضطرون لشرح كل شيء بالتفصيل، لأن بعض العقول الكسولة لا تريد أن تقرأ، ولا تريد أن تفهم، ولا تريد حتى أن تفكر؛ تريد فقط أن تقفز إلى التعليق كما يقفز شخص إلى مسبح فارغ ثم يلوم الأرض على قساوتها.
عندما نقول إن هناك ما يمكن تعلمه من “المسألة اليهودية” في أوروبا لفهم وضع الأقليات المهددة اليوم، لا نقول إن العلويين هم اليهود، ولا إن سوريا هي ألمانيا، ولا إن الهولوكوست سيتكرر بنفس الملابس والقطارات والمصانع. هذا مستوى فهم يصلح لامتحان إعدادي، لا لنقاش تاريخي.
في علم الاجتماع، والإبادة، والعنف الجماعي، لا تُدرس الكوارث كنسخة واحدة. الهولوكوست ليست رواندا. ورواندا ليست البوسنة. والبوسنة ليست الأرمن. والأرمن ليسوا الإيزيديين. ومع ذلك، كل هذه الحالات تُدرس معا لأن الباحث لا يبحث عن التطابق، بل عن النسق: كيف تُصنع الضحية؟ كيف يُبنى الخطر المتخيل؟ كيف تتحول أقلية إلى جسم غريب؟ كيف تُنتج اللغة استعدادا نفسيا للقتل؟ كيف يصبح الجار عدوا، والاختلاف خيانة، والهوية تهمة؟
هذا هو السؤال.
لا من يشبه من في الصورة العائلية للتاريخ.
ثم إن معاداة السامية في أوروبا لم تبدأ مع هتلر. هتلر لم يخترع الكراهية ضد اليهود من جيبه. النازية ورثت قرونا من اللاهوت، والاتهامات الطقسية، والطرد، والغيتو، والتمييز القانوني، والتحريض الصحفي، والذعر القومي من “الأقلية الداخلية”.
في إنكلترا، طُرد اليهود سنة 1290. أي قبل هتلر بقرون طويلة. لم تكن إنكلترا نازية، ومع ذلك عرفت كيف تحوّل اليهودي إلى مشكلة دينية واقتصادية وسياسية. في فرنسا، لم تنتظر الجمهورية الفرنسية هتلر كي تكشف عمقها المعادي لليهود؛ قضية دريفوس في أواخر القرن التاسع عشر شطرت المجتمع الفرنسي، وأظهرت أن “بلد الحرية” قادر على أن يرى ضابطا يهوديا كخائن فقط لأن اسمه وجسده قابلان للاشتباه. في روسيا القيصرية، عاش اليهود داخل قيود قانونية، ومناطق حصر، ومذابح بوغروم، وذاكرة جماعية تقول لهم إن الدولة تستطيع أن تجعل حياتهم مؤقتة مهما طال الزمن.
هذه ليست تفاصيل مدرسية. هذه هي المختبرات التي سبقت الكارثة.
لذلك عندما نقول: اقرأوا تاريخ الصهيونية، لا نقول لكم صيروا صهاينة. هذا الفهم الساذج بحد ذاته يحتاج علاجا معرفيا. نحن نقول: اقرأوا كيف تفكر جماعة حين تسقط عنها حماية الدولة. اقرأوا كيف يتحول الاندماج إلى وهم. اقرأوا كيف تتشكل النخب، والمؤسسات، واللغة السياسية، والذاكرة الجماعية، والخوف المنظم. اقرأوا كيف تسبق الإبادة نفسها بمئات الإشارات الصغيرة: نكتة، شتيمة، خطبة، قانون، منشور، مقاطعة، تخوين، ثم جثة.
من لا يعرف تاريخ غيره سيعيد اختراع مأساته من الصفر، وبغباء مكلف جدا.
المسألة ليست أن نحب هرتزل أو نكره هرتزل. وليست أن نلبس تاريخ اليهود كمعطف مستعار. المسألة أن نفهم آليات الإبادة: كيف تعمل، كيف تفكر، كيف تتكلم، كيف تبرر نفسها، وكيف تحتاج دائما إلى جمهور جاهز نفسيا كي يقول في اللحظة المناسبة: “هم السبب”.
أما الذي يأتي ليقول: “لا يمكن التشبيه”، وكأنه اكتشف أمريكا بعصا مكنسة، فهو لا يفهم الفرق بين التشبيه والتحليل. التشبيه لعبة سطحية. التحليل مشرط. ونحن لا نبحث عن تطابق الوجوه، بل عن تشابه الآلات.
الإبادة لا تبدأ بالمسلخ. تبدأ باللغة بالشيطنة ، بنزع الإنسانية ب العواء مثلا .
تبدأ عندما تصبح أقلية كاملة موضوعا للسخرية، والاتهام، والشك، والنبذ، والمقاطعة، والتطهير الأخلاقي.
تبدأ عندما يصبح الخوف من مصير الجماعة “مبالغة”، والتحذير من الكراهية “استفزازا”، والمطالبة بالحماية “مشروعا مشبوها”.
ولهذا، نعم، سنقرأ تاريخ اليهود في أوروبا. وسنقرأ الأرمن. وسنقرأ رواندا. وسنقرأ البوسنة. وسنقرأ الإيزيديين. لا لكي نسرق مآسي الآخرين، بل لكي نفهم كيف تتكرر البنية ولو اختلفت الأسماء واللغات والخرائط.
لأن العقل الذي لا يقارن لا يفكر. والذي لا يفكر لا يرى النسق.
والذي لا يرى النسق، غالبا لا ينتبه إلى الإبادة إلا بعد أن تصبح رائحة!