استسلام المهيمن

د. كمال خلف الطويل

‏العنوان أعلاه هو بكلمتين مختصر ما خطّه فيلسوف المحافظين الجدد، روبرت كاغان، في مقال له بمجلة الأتلانتيك (عدد ٢١ مايو)، وبصراحة نزيهة.
‏ نحن في أوقات تاريخية.. لقد قضيت ربع القرن الأخير وأنا أستشرف لحظة كهذه؛ لا من باب الرغبة من عدمها بل من باب استقراء وقائع واستنباط دلالات وتحليل عِبر عايشتها، كغيري من قاطني الديار الأمريكية، وبالأخص منذ انتهاء الحرب الباردة في نهاية الثمانينات.. وهضمتُ حصيلة كل تلك المعاينات، وبدأت أكتب حولها غداة ١١ أيلول وعبر ربع قرن بعده:
‏أن مطلب الهيمنة الكونية الشاملة ليس في وسع الولايات المتحدة، كما ليس بوسع أحد سواها.. وأن فرط انتشار القوة كونياً، واستسهال اللجوء إلى القوة العارية بغير حساب، كفيلان، مع الوقت، بحتّ مصادر القوة وتعريتها.. وأن الصدام المسلح مع قوة متوسطة، قدّ حالها - لا كعراق صدام -، كاشفٌ للعورة، وأخطر ما فيه أنه يوقع المهيمن في فخّ تصعيد لا يملك السيطرة عليه.. وأن التحوّل البنياني للرأسمالية الأمريكية إلى رأسٍ أموَلي وجذعٍ فائق التقانة وأطرافٍ معسكَرة وصفة نكوص لها لا نهوض.. وأن مخرج الولايات المتحدة الوحيد من آثام ما سبق هو التوبة عن الهيمنة المتوحّشة والاكتفاء بتعظيم قوة شاملة؛ ولكن مؤنسَنة، وهو ما كانته، في عموم، قبيل غزو الفليبين، ولكن بالأخص قبل ٧ ديسمبر ٤١.
‏الرئيس الحالي خميرة تفاعل مسرِّع؛ لقد أنجز في عام ونصف العام ما كان استهلك عقداً من الزمان حتى بان وظهر.. ولو كان قد فاز في الدورة اللاحقة بالأولى من رئاسته (أسقطه فاجعُ فشله في أزمة الكورونا, التي تسببت بمقتل مليون أمريكي) لكُنّا شهدنا في 22 ما نشهده في 26... وذلك باستبداله حرباً خرقاء دامت زهاء ربع قرن، هي "الحرب على الإرهاب" بحرب أفدح خسراناً وأوزن فرقاً هي "حرب الهيمنة".
‏لقد تسبّب في تحويل قوة اقليمية بدت مهيضة الجناح قبل أقل من عامين, هي ايران, الى قوة اقليمية كبرى ببعد كوني؛ ولا صلة بهذا التقييم لا من قريب ولا من بعيد بالموقف من النظام فيها, حباً أم كرهاً.. إنه الواقع كما هو.
‏إن ما رفع من مقام ايران، عبر أقل من شهور ثلاثة، هو قدرتها على إفشال المقاصد الاستراتيجية للحملة العسكرية المشنّة عليها، فوقما صمودها المديد في وجه صفحات الحصار والاستخبار والعقوبات؛ أي إلحاقها، في النتيجة، هزيمة استراتيجية كاملة الأوصاف بمن شنّها.
‏تَوالي هذا الحدث المؤسس فارقة؛ في الجزيرة والمشرق والوادي والقرن والمغارب.
‏لنرقَب مشرق العجائب